د. محمد قاسم*

هكذا افتتح الفيزيائي ديفد رايتزي كلمته في مؤتمر مؤسسة العلوم الوطنية الأميركية: "سيداتي وسادتي، لقد اكتشفنا موجات الجاذبية، لقد نجحنا"، معلنا في أول جملة له أن موجات الجاذبية التي تنبأ بها ألبرت أينشتاين قد اكتشفت عن طريق مرصد "ليغو"، وأكمل بقوله: "قبل 400 عام أدار غاليليو منظارا (تلسكوبا) إلى السماء وفتح الأجواء للمراصد الفلكية الحديثة، أعتقد أننا نقوم بشيء بنفس مستوى الأهمية اليوم، أعتقد أننا نفتتح نافذة على الكون، نافذة من فلك موجات الجاذبية".

وكان من أبرز من حضر من المشاركين هو العالم الفيزيائي كيب ثورن، الذي كتب وأنتج فيلم الخيال العلمي إنترستلر، والأهم من ذلك أنه هو أحد ثلاثة علماء أسسوا المرصد ليغو الذي لم يكن فقط سببا في اكتشاف موجات الجاذبية في الواقع، وإنما كان السبب في اكتشاف موجات الجاذبية في الفيلم الخيالي إنترستلر، وهو الذي دل على وجود ثقب أسود تتحرك موجاته الجاذبية خلال ثقب دودي، لتصل إلى الأرض.

صدق أينشتاين حينما كتب رسالة لابنه، ذكر فيها "الأشياء التي حُزت عليها من العمل المضني لن تكون ذا فائدة فقط للغرباء، بل حتى بالخصوص لأبنائي، في الأيام الماضية انتهيت من واحدة من أعظم الأوراق في حياتي"، كتبها لابنه وهو مثخن بساعات العمل المتواصلة على النظرية النسبية العامة، كان ذلك قبل أيام من تقديمه النسخة النهائية من البحث، كان عمله مضنيا، أبعده عن أبنائه، ولكن نظريته كانت ذات فائدة لهم وللغرباء، وكانت من أعظم ما قدمه للبشرية من نظريات.

تنبأ أينشتاين بالعديد من النظريات الأخرى المعتمدة على الأساس المتين للنظرية النسبية العامة، وكلما تنبأ بنظرية أقام العلماء التجارب عليها لمعرفة توافقها مع التجربة، ليُثبت صحة ما تقدم به، ربما أخطأ أينشتاين مرات طفيفة، ولكن عدد نظرياته الصحيحة الكبير غفر له الأخطاء الطفيفة هنا وهناك، واليوم تتوج نظرية أخرى له بالتاج التجريبي من مرصد الجاذبية "ليغو"، ليضاف هذا النجاح إلى رزمة نظرياته الصحيحة. 

video

 

ففي 11 فبراير/شباط 2016 أعلن العلماء عن اكتشافهم موجات الجاذبية التي تنبأ بها أينشتاين قبل مئة عام، وذكروا أنها صدرت من ثقبين أسودين، تعادل كتلة كل منهما الشمس 29 و36 مرة، كانا يحومان حول بعضهما، وتسارعا في الدوران بسرعات تبلغ نصف سرعة الضوء، حتى التقيا، ثم ابتلع كل منهما الآخر ليصبحا ثقبا واحدا، وفي أثناء هذا التقارب والاندماج تموج الزمكان، وانتقلت الموجات عبر 1.3 مليار سنة ضوئية، لتصل إلى الأرض، فيلتقطها مختبرا ليغو الموجودان في الولايات المتحدة الأميركية.

هذه التموجات في العادة تُشرح بطريقة مبسطة، فترسم على شكل موجات عرضية، كتلك التي تشبه موجات البحر، في الحقيقة فإن الموجات الجاذبية ليست كذلك، إنما هي موجات عرضية كموجات الصوت من حيث الضغط والخلخلة، فحينما تتحرك الموجات الجاذبية فهي تضغط الزمكان وتمدده، لذلك فهي حينما تصل إلى الأرض تقوم بضغطها ثم تمديدها، هذا الضغط والتمدد أصغر من نواة الذرة مئات المرات إن لم يكن أقل من ذلك. 

مرصد ليغو
ولكي تكتشف الموجات الجاذبية بهذا التأثير المتناهي الصغر، بُني مرصد على شكل حرف "L"، كل ذراع من ذراعيه طوله أربعة كيلومترات، وهناك جهازا يطلق أشعة ليزر ينقسم إلى داخل كل ذراع، ليلتقي هذا الإشعاع في نهاية الممر بمرايا تعكس الضوء عودة إلى مستشعر، فإن لم يكن هناك تمدد وانكماش في الأذرع بسبب الجاذبية، فإن أشعة الليزر العائدة من الذراعين تلغي كل منهما الأخرى، ولكن إذا تمدد الذراعان بسبب الموجات الجاذبية فإن أشعتي الليزر تتداخلان بحيث يمكن التقاطهما، وبذلك تُكتشف الموجات.

لكي تُحكم أجهزة قياس الموجات اتخذت احتياطات خيالية في المقاييس البشرية الاعتيادية، فمثلا طول الذراعين يتأثر بكروية الأرض، لذلك كان على المهندسين رفع كل ذراع قدر متر واحد تدريجيا حتى يلغوا هذه الكروية، وحتى يُلغى التشويش أيضا فُرغ الذراعان من الهواء، ولو نفخت كرات بهذا الهواء لامتلأت به 1.8 مليون كرة قدم، وكذلك فالمرايا متعلقة بأربعة بندولات لمنعها من التذبذب الأرضي الخفيف الناتج من الزلازل البعيدة مثلا، والحرارة كذلك أخذت في الاعتبار، وحتى التشويش الناتج من ميكانيكا الكم ألغي، كل ذلك لكي يضمن العلماء صحة اكتشاف الإشارة.

صورة غلاف كتاب "علم إنترستلر" لمؤلفه العالم كيب ثورن والذي صدر بعد طرح الفيلم (أسوشيد برس)

لم يكن أينشتاين ليحلم بإمكانية إقامة مثل هذه التجربة وقد اعترف صراحة بعدم الإمكان، فالموجات الجاذبية البعيدة -مثل تلك المكتشفة- لا يمكن التقاطها بأي وسيلة كانت متوفرة في أيامه، ولكن العلماء الأذكياء في عصرنا استطاعوا بناء مرصد هائل يمكنه استشعار الموجات الجاذبية التي تمدد وتضغط الزمكان حتى وإن كان بقدر ألف مرة أصغر من البروتون الموجود في نواة الذرة. وهذا ما لم يعتقد أينشتاين بإمكانية تطبيقه على أرض الواقع حينها.

لقد استخدم كيب ثورن مرصد ليغو في الفيلم إنترستلر لكي يكتشف الموجات الجاذبية القادمة من ثقب أسود في مجرة أخرى وعبر الثقب الدودي، أراد أن يكون موقع صدور الموجات بالقرب من زحل، ولكن كيف يمكن لمثل الموجات الجاذبية الهائلة أن تتكون قرب زحل ولا توجد ثقوب سود بجانبه؟ ولو كانت موجودة فستمزق زحل أو تغير من تركيبة دوران الأجرام في المجموعة الشمسية، لكي تأتي الموجات من ذلك المكان فتح كيب ثقبا دوديا يطل على مجرة أخرى، وبداخل تلك المجرة ثقب أسود تعادل كتلته مئة مليون شمس، وحول ذلك الثقب عدة ثقوب أخرى ونجوم نيوترونية (هذا ما لا يعلمه الكثير ممن شاهد الفيلم)، دوران الثقوب الصغيرة حول الثقب الأكبر غارغانتشوا أصدر هذه الموجات، ثم عبرت خلال الثقب الدودي لتصل إلى الأرض، لتكتشف باستخدام ليغو.

هذا الأسلوب من الرصد لا يعتمد على الموجات الكهرومغناطيسية من ضوء وإشارات راديوية وإشعاع إكس كما في المراصد التقليدية، لدينا الآن مرصد "يرى" موجات الجاذبية.

ربما لن تُكتشف ثقوب دودية بالمقربة من زحل، ولكن ستكتشف ثقوب سود ونجوم نيوترونية ثنائية بعيدة جدا، وستكتشف أمور لم يتوقعها العلماء، وستكون هناك مفاجآت جديدة كما كانت هناك مفاجآت مع كل مرصد سابق.

______________
* أستاذ مساعد في كلية الدراسات التكنولوجية، الكويت

المصدر : الجزيرة