محمد صالح كيالي

كان سناب شات ولفترة قريبة جدا مجرد تطبيق تواصل ورسائل بين اليافعين، ليس أكثر من تطبيق جديد يتواصلون فيه مع أصدقائهم، لكن عدد مستخدميه وصل لمرحلة غير مسبوقة مؤخرا، إذ بلغ نحو مئتي مليون مستخدم نشط حول العالم. ويعني هذا النمو الكبير في عدد المستخدمين أن التطبيق أصبح فرصة كبيرة لوسائل الإعلام لإيصال رسالتها عبره، بعدما تجاوز كثيرا من المنصات الجديدة الأخرى مثل بيرسكوب وميركات وغيرها.

قد يكون هذا بالضبط ما جعل البيت الأبيض يطلق حسابا خاصا على سناب شات (whitehouse) قبيل خطاب الرئيس باراك أوباما حول حالة الاتحاد. ويأتي هذا ضمن نشاط الرئيس الأميركي غير المسبوق في التوسع على الشبكات الاجتماعية والإنترنت عموما، وهو الذي كان نفسه مبتكرا في حملته الانتخابية 2008. تلك التي أظهرت القيمة الحقيقية لما يسمى بـ"التكنولوجيا الشخصية" متمثلة بالشبكات الاجتماعية كتويتر وفيسبوك وغيرها من المنصات التي كانت جديدة نسبيا وقتها، ومستفيدة في نفس الوقت من ظهور الهواتف الذكية والإنترنت السريع.

هناك هوس في عالم السياسة الأميركية (والعالمية ربما) في الوصول لهؤلاء اليافعين المهتمين بمستقبل بلدهم وفق رؤيتهم الخاصة، لكن دون متابعة وسائل الإعلام التقليدية. ويرى كثيرون أن سناب شات نفسه قد يكون الوسط المثالي لهم خلال الانتخابات القادمة.

هناك مجال جديد كليا يزداد الاهتمام به هذه الأيام يسمى "اقتصاد الانتباه"، تلك المنصات التي تستطيع أن تحصد انتباه وتركيز مئات الملايين، وسناب شات دون شك، أحد أهم هذه المنصات

لماذا؟
يعود الأمر هنا لعدة أسباب، أهمها هو الثقافة التي خلقها سناب شات ضمن شريحة اليافعين تحديدا (مئتي مليون مستخدم شهري بمعدل تفاعل عال جدا)، وبطريقة تفكير "معاصرة" مختلفة عما عهدناه في الشبكات الاجتماعية مسبقا، جذرها الأساسي مفهوم التواصل العابر أو تلك الرسائل التي نمتلك فرصة زمنية قليلة للاطلاع عليها قبل أن تحذف.

هناك مجال جديد كليا يزداد الاهتمام به هذه الأيام يسمى "اقتصاد الانتباه". تلك المنصات التي تستطيع أن تحصد انتباه وتركيز مئات الملايين، وسناب شات دون شك أحد أهم هذه المنصات، وذلك لأن فكرة تلاشي مادة ما تؤدي بالضرورة إلى إعطائها أهمية أكبر من غيرها لأنها ستختفي. وهذا بالضبط ما يزيد نسبة الانتباه عليها أكثر من أي مادة أخرى على الإنترنت.

لنضف لموضوع الانتباه أن هذا التفجر الكبير حقيقة -خصوصا في مجال الإعلام- يأتي بعد إطلاق التطبيق ميزة جديدة باسم "قصص سناب شات"، والتي حملت في طياتها تفاصيل ثورية في عالم الشبكات الاجتماعية عموما والإعلام خصوصا.

قصص الحسابات الشخصية على سناب شات هي ميزة استفادت من شخصية كل حساب وأصدقائه. يجمع المستخدم كل "السنابات" التي يلتقطها خلال اليوم لتكون مجموعة متتالية تتاح لفترة 24 ساعة للأصدقاء. لنفكّر بها كملخص حياتنا اليومي بالصوت والصورة، نحن نختار ما يوجد في هذا الملخص ونتحكم بتسلسل الأحداث بالشكل الذي نريد من الأقدم إلى الأحدث.

عنصر الـ24 ساعة مهم جدا هنا، كونه يعني أنني سأحصل كمتابع على قصص طازجة يوما بيوم من أصدقائي ومعارفي. شيء أشبه بالبث المباشر عن حياة الأصدقاء لكنه متاح أيضا كملخص متكامل.

نحن هنا أمام سرد قصصي من نوع خاص يشبه البث المباشر، لكنه ليس مباشرا بالمعنى الحرفي. قوامه التحديثات القصيرة المتنوعة ما بين الصورة والفيديو، مرتبة زمنيا من الأقدم للأحدث، وأعطت فرصة كبيرة للإبداع بشكل مختلف نوعا ما، حيث إنها لا تتطلب مهارات تحرير صور وفيديو وغيره. صور فقط وستعرض جميعها بتسلسل زمني وبفلاتر وصور "إيموجي" (الرسوم التعبيرية) وغيرها.

لقد ساهمت العفوية التي يتم فيها إنتاج المواد على سناب شات كثيرا في الدمج بين ما هو شخصي واحترافي في عالم الإعلام. هذا الأمر بالضبط هو ما جعل المؤسسات الإعلامية الحديثة (المعتمدة على الإنترنت خصوصا) في محل الاختبار على المنصة، عبر إنتاج الكثير من المواد المختلفة كما وراء الكواليس، أو حتى التفنن في إنتاج القصص نفسها وإعطائها سردا متسلسلا اكتشافيا مناسبا لجمهور المراهقين محبي التطبيق.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الدول العربية -وفي الخليج العربي تحديدا- تشهد صعودا متسارعا في عدد مستخدمي التطبيق، حيث تحتل السعودية ترتيبا عاليا في عدد مستخدميه، وذلك لأن 33% منهم يقضون حوالي ساعتين يوميا على التطبيق، و29% يقضون ساعة واحدة. ونصف مستخدمي التطبيق في السعودية هم في الرياض.

ما يثير الاهتمام أكثر هو كيفية تطور ميزات معينة لتصبح أمرا آخرا مختلفا كليا. أهم ما حصل أن ميزة التواصل مع الأصدقاء هذه تطورت لتصبح طريقة "سرد قصصي" استخدمها الكثير من العاملين في وسائل الإعلام لنقل الأخبار، حتى أن طريقة التصوير العمودية التي كانت أمرا مكروها في عالم التصوير عبر الجوال سابقا، تحولت عبر سناب شات إلى فن قائم ذاته.

لنضف إلى هذا كله -وتحديدا في عالم الإعلام- توظيف سناب شات العام الماضي للمراسل السابق في شبكة سي أن أن الأميركية بيتر هامبي. لم تتحدث شركة سناب شات كثيرا في الأمر، لكن كان من الواضح أن هامبي يعمل على شيء ما. 

تبويب "اكتشف" في سناب شات يعرض محتوى من كبار الناشرين والمؤسسات الإعلامية

توسّع سناب شات الأخير أيضا عبر ميزة "اكتشف" (Discover)، وهو تبويب يعرض محتوى بشكل مألوف لمستخدمي التطبيق لكن من كبار الناشرين والمؤسسات الإعلامية مثل "سي أن أن" و"فايس" و"دايلي ميل"، وغيرها. إن اعتماد تحديثات إخبارية يومية ضمن قسم محدد في التطبيق دليل على اهتمام متزايد في عالم الإعلام.

اكتملت الصورة نوعا ما منذ فترة قريبة جدا حقيقة، عندما أعلن التطبيق بداية برنامج سياسي خاص به ضمن تبويب "اكتشف" بعنوان "حظا سعيدا أميركا"، متخصص بتغطية الانتخابات الأميركية القادمة. نعود من جديد إلى أهمية الانتخابات الأميركية في عالم الإعلام الرقمي والشبكات الاجتماعية، وطبعا كان مقدم البرنامج هو بيتر هامبي.

تقديم التطبيق للقصص وإطلاقه حتى طريقة مبتكرة لجمع القصص حول أحداث من حول العالم (ميزة القصة الحية) بالإضافة إلى "اكتشف"، هو تأكيد على أن منصات التواصل تتحول تدريجيا إلى منصات نشر معلومات، وإلى منصات إعلامية متكاملة تمتلك القاعدة الجماهيرية المطلوبة قبل أن تبدأ بالنشر، حتى نتيجة للخدمات الأخرى التي تقدمها.

هل سيحصل سناب شات على تأثير تويتر وفيسبوك في عالم الإعلام؟

لا يزال موعد الحكم مبكرا، وقد تكون الانتخابات الأميركية القادمة موعدا فاصلا في تحديد مستقبل التطبيق في عالم الإعلام والمعلومات. وتتباين وجهات النظر حاليا حول الأهمية الحقيقية لما يقدمه التطبيق، لكن في الوقت نفسه تحاول وسائل الإعلام الرقمية الحديثة اقتناص أي منصة تمتلك هذا العدد الكبير من المستخدمين.

لا يزال الجميع يجرّب ويختبر، وستكون النتيجة الحقيقية لصالح من يستطيع خطاب جمهور المنصة الكبير هذا في السنوات القليلة القادمة. إضافة لهذا يمر بعض منافسي سناب شات بمراحل عصيبة، مثل تويتر.

هذا هو حال الإعلام الرقمي الحديث، تجربة واختبار ثم اتخاذ قرار. التكلفة شبه المعدومة تدفع لمحاولات أكثرها فاشل، لكن ما ينجح يترك أثرا كبيرا جدا.
_______________
* منتج مشاريع رقمية ومحرر متخصص بالتكنولوجيا والويب والشبكات الاجتماعية

المصدر : الجزيرة