*الصغير الغربي

هز زلزال غلاكسي نوت 7 الأخير أركان إمبراطورية سامسونغ الإلكترونية وامتدت آثار الهزة لتنال من سمعة الشركة في الأسواق العالمية وصورتها لدى عملائها إضافة إلى الخسائر المادية الكبيرة، فما الخيارات المتاحة أمام العملاق الكوري لاستعادة ثقة المستهلكين والمحافظة على مكانته كأحد أكبر مصنعي الهواتف الذكية ومكوناتها؟

بعد محاولة الشركة تجاوز الأزمة بإعلانها سحب 2.5 مليون نسخة من غلاكسي نوت 7 من السوق في بداية سبتمبر/أيلول الماضي وإصدار نسخة معدلة تبين أنها تحتوي على المخاطر نفسها، أعلنت سامسونغ الأسبوع الماضي توقف إنتاج هذه الهواتف التي مثلت آخر صيحة في عالم الهواتف الذكية، وطلبت من شركائها التوقف عن بيع الكميات المعروضة لديهم ودعت المستخدمين إلى إغلاق الأجهزة التي بحوزتهم تجنبا لمخاطر الانفجار، وخسرت أسهم الشركة بسبب ذلك ما يقارب عشرين مليار دولار من قيمتها السوقية.

هذه الخسائر المالية المباشرة لا تبدو موجعة كثيرا للعملاق الكوري الذي يتمتع بصلابة كافية لاحتمال حدة الهزات المالية، كيف لا وهو يمثل ما يقارب 20% من الناتج الوطني لكوريا الجنوبية. لكن تداعيات هذه الهزة على سمعة المؤسسة في الأسواق العالمية قد تكون قاتلة وربما تعود بالشركة سنوات إلى الوراء حسب بعض الخبراء إذا لم تتخذ الإجراءات المناسبة لاسترجاع ثقة المستهلكين.

حسب استطلاع أنجز خلال الأزمة فقد فقدت الشركة ثلث عملائها في مجال الهواتف الذكية حيث صرح 34% من المستطلعين بأنهم سيتوجهون إلى علامات تجارية أخرى في المستقبل

اهتزاز الصورة
ويبدو أن سامسونغ تدرك أن مصدر الخطر الأكبر على الشركة هو اهتزاز صورتها وفقدان ثقة المستهلكين في علامتها التجارية بسبب هذه الأزمة خاصة وأنها تعتمد على المستهلك الوفي الذي له تقليد في شراء هواتفها وهو ما سينعكس بدوره على الوضع المالي للعملاق الكوري خلال السنوات القادمة.

فتأثير هذه الأزمة قد يمتد ليس فقط إلى بقية أنواع الهواتف الذكية التي تسوقها الشركة ليلحق الضرر كذلك ببقية المنتجات لسامسونغ التي تصنع الشاشات وآلات الطباعة والمكيفات والثلاجات وغيرها من الأجهزة المنزلية وسيكون مصير الشركة في المستقبل رهين نجاعة الإجراءات التي ستتخذها لمعالجة الضرر الذي لحق بصورتها لدى المستهلكين.

لكن القرارات التي اتخذتها الشركة خلال الأزمة بدت للمحللين متسرعة وجرى اتخاذها دون تروٍ، فالأمر سيكون عابرا لو تعمقت سامسونغ في معرفة السبب الحقيقي لارتفاع حرارة هواتف غلاكسي نوت 7 وانفجار بعضها قبل طرح نسخ بديلة لها تحمل العيوب نفسها.

وحسب استطلاع أُنجز خلال الأزمة فقد فقدت الشركة ثلث عملائها في مجال الهواتف الذكية حيث صرح 34% من المستطلعين أنهم سيتوجهون إلى علامات تجارية أخرى في المستقبل.

ومع انطلاق حملة استرجاع غلاكسي نوت 7 من الأسواق وتوقف إنتاجه، يبدو أن سامسونغ قد تجاوزت فترة الارتباك وبدأت في طي الصفحة باتخاذ إجراء جديد لملء الفراغ الذي نتج عن سحبه بزيادة إنتاج هاتف جلاكسي أس 7 إيدج الذي طُرح في الأسواق في بداية السنة الحالية وحقق إلى غاية أغسطس/آب المركز الأول كأكثر الهواتف مبيعا وهو ما سيمكنه من مواصلة منافسة غريمه آبل في فئة الهواتف الذكية عالية الجودة.

تعتبر صناعة المكونات الإلكترونية من شرائح للذاكرة ودارات متكاملة وشاشات "أمولد" من الأنشطة التي تمكن سامسونغ من الهيمنة على سوق الإلكترونيات في العالم

دعم البحث والتطوير
من بين الخيارات التي من المنتظر أن تتخذها الشركة في المستقبل هو دعم أنشطة البحث والابتكار التي مكنتها إلى حد اليوم من تبوؤ المركز الأول في ترتيب أكبر المصنعين للهواتف الذكية في العالم بفضل ابتكارها لتكنولوجيا متطورة أدمجتها في هواتفها، ويأتي في هذا السياق إعلان الشركة يوم الاثنين 17 أكتوبر/تشرين الأول بدء إنتاجها على نطاق واسع ولأول مرة في العالم لرقاقات بحجم 10 نانومتر تحتوي على أهم مكونات الحاسوب ويطلق عليها اسم "نظام على رقاقة" (SoC)، وتستعمل هذه الرقاقات في الأجهزة الإلكترونية المحمولة والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية.

وتعتبر صناعة المكونات الإلكترونية من شرائح للذاكرة ودارات متكاملة وشاشات "أمولد" عالية الجودة وأقل استهلاكا للطاقة من شاشات "أولِد" من الأنشطة التي تمكن سامسونغ من الهيمنة على سوق الإلكترونيات في العالم، إذ تجهز الشركة عادة هواتفها بها قبل بيعها للمنافسين، من ذلك أن شاشة آيفون 6 تحتوي على العديد من الأجزاء المصنعة من طرف سامسونغ.

وتمثل هذه الابتكارات إحدى أبرز عوامل جذب المولعين باقتناء آخر ما توصلت إليه التقنية لذلك تحرص سامسونغ على البقاء في الصدارة واستباق المنافسين في إدماج التقنيات الجديدة في هواتفها.

ويمثل تطوير تقنيات إنترنت الأشياء كالساعات والأسورة والأجهزة المنزلية الذكية خيارا إضافيا سيمكن سامسونغ من تنويع منتجاتها كما سيساعد على الترويج لنظام التشغيل "تايزن" الذي طورته الشركة وظل استعماله محدودا إلى اليوم، وتتمحور الفكرة التي تسعى الشركة الكورية لتنفيذها في تثبيت نظام التشغيل هذا في الأجهزة الطرفية وشاشات تلفزيون الشركة لخلق منصة موحدة لإنترنت الأشياء.

أصدرت سامسونغ خلال ثلاث سنوات (بين عامي 2012 و2014) 190 نوعا من الهواتف أي بمعدل 63 نوعا سنويا مقابل نوعين فقط لغريمتها آبل

من ناحية أخرى، قد تدفع أزمة غلاكسي نوت 7 الأخيرة الشركة إلى السير قدما نحو تقليص عدد أنواع الهواتف التي تصدرها وكذلك خفض الاعتماد على الأجهزة الذكية الذي وصل إلى حدود 58% من أنشطة سامسونغ للإلكترونيات، وهي خيارات صادقت عليها في العالم عام 2014 لوقف تراجع حصتها التي هبطت إلى 20% بعد أن بلغت 32% قبل ذلك بسنتين.

وكانت الشركة -التي تعتبر أكبر مُصنِّع للهواتف الذكية في العالم- تعتمد على سياسة تنويع أجهزتها لتتناسب مع فئات واسعة من المستهلكين. وللمقارنة فقد أصدرت سامسونغ خلال ثلاث سنوات (بين عامي 2012 و2014) 190 نوعا من الهواتف أي بمعدل 63 نوعا سنويا مقابل نوعين فقط لغريمتها آبل المتخصصة في إصدار الهواتف الذكية ذات الجودة العالية.

إجراء آخر ستتخذه سامسونغ في الأيام القادمة يتعلق بإعلان عقد جلسة استثنائية لمجلس المساهمين في رأس مال الشركة يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول القادم بهدف ضم نائب رئيس الشركة "لي جاي يونغ " إلى مجلس إدارتها وهو ابن رئيس الشركة "لي كون هي" المقعد بسبب المرض منذ سنة 2014 بعد إصابته بأزمة قلبية.

وستساعد هذه الخطوة إمبراطورية الإلكترونيات الكورية في تحسين طرق تسيير الشركة التي بدت بلا "رأس" فعلي منذ سنتين ويسعى "لي جاي يونغ" الذي يشغل حاليا منصب نائب رئيس الشركة العملاقة، إلى ملء الفراغ الذي تركه أبوه وكان لهذا الفراغ تأثير سلبي فيما آلت إليه الأزمة الأخيرة.

غير الإجراءات السابقة قد لا تكون كافية لدفع المستهلكين لنسيان خيبة غلاكسي نوت 7 نهائيا واستعادة الشركة لصورتها التجارية ما لم تتبع سياسة اتصالية تعتمد الشفافية لكشف الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ما حدث كما يقول المحللون، فالأمر أشبه بمعالجة جرح ويتعين تنظيفه أولا قبل إغلاقه لضمان تعافيه.
_____________

*إعلامي تونسي متخصص بالشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة