د. وحيد محمد مفضل

تعتبر ظاهرة الغش التجاري وتقليد المنتجات من أخطر الظواهر العالمية وأكثرها إضرارا بالأفراد والمجتمعات، نظرا لتأثيرها السلبي على النمو الاقتصادي وعلى روح الابتكار وحقوق الملكية الفكرية، ونظرا أيضا لامتداد مخاطر ومضار المنتجات المقلدة إلى صحة المستهلك، حيث لم يكتف المزورون بتزييف الأوراق النقدية وتقليد الألعاب والملابس والأجهزة الكهربائية، بل عمدوا أيضا إلى تقليد الأدوية والأطعمة والمشروبات وقطع غيار السيارات، وغير ذلك مما يمس بشكل مباشر وغير مباشر الصحة العامة والسلامة الشخصية.

والأرقام الدالة على ذلك تعتبر جد معبرة. فقد قدرت -على سبيل المثال- الخسائر العالمية الناتجة عن غش وتقليد الأغذية والمشروبات ومواد التغليف الخاصة بها بحوالي خمسين مليار دولار سنوياً. وفي مجال الصناعات الدوائية، فقد قدر حجم الخسائر المادية الناتجة عن غش الأدوية فقط في دول الاتحاد الأوروبي بحوالي عشرة مليارات يورو.

وقد ساعدت ظاهرة العولمة وزيادة النشاط التجاري عبر الإنترنت أو ما تعرف بالتجارة الإلكترونية على زيادة رواج وتفشي هذه الظاهرة، وعلى ظهور جيش بارع من المزورين قادر على محاكاة المنتج الأصلي ببراعة وإنتاج نسخة أخرى مقلدة عالية الجودة يصعب جدا كشفها أو تمييزها عن النسخة الأصلية.

على الرغم من الجهود والتدابير الكثيرة المتخذة على الصعيدين المحلي والعالمي لمحاربة الغش التجاري ووقف عمليات التزوير والتزييف، فإن هذا لم يفلح في القضاء على هذه التجارة أو حتى الحد منها

وعلى الرغم من الجهود والتدابير الكثيرة المتخذة على الصعيدين المحلي والعالمي لمحاربة الغش التجاري ووقف عمليات التزوير والتزييف، فإن هذا لم يفلح في القضاء على هذه التجارة أو حتى الحد منها. وهذا يعود إلى وجود أكثر من عامل محفز ومشجع على زيادة نشاط هذه التجارة وأساليب التقليد والغش التجاري بشكل عام، منها الربحية المرتفعة للبضائع المقلدة، وضعف الرقابة والإجراءات والتشريعات المجرمة في معظم الدول خاصة الفقيرة، وانتشار مناطق التجارة الحرة وبقية المنافذ التي يمكن من خلالها تسرب المنتجات المزيفة إلى المنافذ والأسواق التجارية القانونية، وهذا فضلا عن عدم فعالية التقنيات الحالية المستخدمة في مجابهة وكشف عمليات الغش والتزييف.

ولعل هذا هو السبب في تزايد الحاجة إلى حلول مبتكرة وتقنيات جديدة وناجعة لمواجهة ظاهرة الغش التجاري وكافة العمليات المقترنة بها. وفي هذا السياق تمثل تقنية النانو أحد الحلول الواعدة التي يمكن أن تحدث تحولا جذريا في نسب انتشار المنتجات المقلدة وعمليات الغش والتزييف بكافة أنواعها، خاصة مع التطور المستمر في تطبيقات هذه التقنية ومع الانخفاض المتوقع في تكلفتها مستقبلا، فضلا عن صعوبة تقليدها أو نسخها من قبل المزورين والمهربين، وهذا هو الأهم.

مميزات تقنية النانو وطرق تطبيقها
النانو بوصفه مصطلحا يعبّر في حد ذاته عن وحدة قياس صغيرة جدا تعادل واحدا على مليون من المليمتر، أي ما يساوي واحدا على عشرة آلاف من سمك شعرة رأس الإنسان. لذا فإن تقنية النانو تختص في الأساس بمحاولة ابتكار تقنيات ومواد جديدة تقاس أبعادها بالنانومتر، وتتصف في الوقت نفسه بخصائص ومقومات فريدة لا تتوافر في المواد الطبيعية أو الصناعية الأخرى المتاحة.

وقد شهدت مواد النانو والتقنيات العاملة عليها تقدما هائلا خلال العقدين الأخيرين، بل باتت لها تطبيقات عديدة في أكثر من مجال مثل تنقية المياه وصناعة الحواسيب وتخزين الطاقة والطب، فضلا عن المحاولات التي تجرى حاليا لاستخدام تقنية النانو أو جزيئياتها المتناهية الصغر في الكشف عن عمليات الغش التجاري والتزييف.
شهدت مواد النانو والتقنيات العاملة عليها تقدما هائلا خلال العقدين الأخيرين، بل باتت لها تطبيقات عديدة في أكثر من مجال مثل تنقية المياه وصناعة الحواسيب وتخزين الطاقة والطب واكتشاف التزييف

وتتمثل أهم ميزة لتقنيات وأساليب الكشف عن المواد المقلدة والمغشوشة التي يجري تطويرها اعتمادا على جزئيات ومواد النانو، في كونها بالغة التعقيد من الناحية العلمية والتصنيعية، وهذا بالتالي يصعب كثيرا من قدرة المقلدين والمزورين على فك شفرتها وتقليدها كما هي الحال مع أساليب الكشف الحالية. كما تضفي دقة حجم جزئيات النانو وتناهيها في الصغر، وإمكانية إخفاء بالتالي مكوناتها داخل المنتج أو مع المواد المكونة له، صعوبة إضافية على محترفي تقليد المنتجات.

وعلى المستوى العملي، هناك أكثر من طريقة واعدة يجري تطويرها حاليا لتطبيق تقنية النانو في مكافحة الغش التجاري والكشف عن المنتجات المقلدة، سواء كانت أغذية أو أدوية أو أوراقا نقدية أو غيرها، لكن الفكرة الأساسية التي تتمحور حولها معظم هذه التقنيات تتمثل في وضع رقاقة نانونية صغيرة للغاية أو دمج جزئيات النانو ضمن مكونات تصنيع المنتج أو العلامة التجارية أو علب التغليف، بحيث إنه يمكن قياسها والتأكد من وجود هذه الجزيئات ومن أصالة المنتج بمجرد تمريره على أحد أجهزة القياس المختصة، كما يحدث مثلا أثناء تنفيذ عمليات الشراء وقراءة الباركود بجهاز المسح المختص.

وعلى هذا النحو فقد نجحت إحدى الشركات المتخصصة عن طريق استخدام ما يعرف باسم النقاط الكمية -وهي أحد أشكال المواد النانوية- في خلط كرات النانو المضيئة مع الحبر الخاص بطباعة ملصق التسعيرة، بحيث يمكن رؤيته أو قياسه بواسطة استخدام جهاز ماسح يعمل بالضوء الأزرق أو الأشعة الفوق بنفسجية، والتأكد من ثم من أصالة المنتج بل ومعرفة بيانات مفصلة عن مصدره ومكان إنتاجه.

كما نجحت مجموعة أخرى في إنتاج نسخة غير مرئية من شفرات الباركود الحديثة المربعة الشكل باستخدام جزيئات النانو المتناهية في الصغر وحبر فسفوري لا يمكن رؤيته إلا تحت ضوء الليزر، مما يفتح آفاقا كبيرة في مكافحة عمليات الغش والتزوير خاصة المتعلقة بالأوراق والعملات النقدية، حيث يمكن دمج هذه الشريحة مع الورقة النقدية أثناء عملية الطباعة.

وعلى نفس النهج فقد تمكنت إحدى الهيئات المعنية بمكافحة غش الأدوية من ابتكار شريط مشفر (باركود) جديد غير قابل للتقليد أو التزييف، وهذا عن طريق تطبيق تقنية النانو ودمج جزئيات النانو بالشريط الجديد.

هناك أكثر من هاجس يتعلق بمدى سلامة وتطبيق مواد وجزيئات النانو خاصة في مجال صناعة المنتجات الغذائية والدوائية، نظرا لتخوف البعض من إمكانية تلوث الأطعمة ومكونات الأدوية وغيرها بهذه الجزيئات

تحديات وهواجس على الطريق
على الرغم من الآفاق الكبيرة المعقودة على تقنية النانو وجزيئاتها في مكافحة وكشف أعمال التقليد والتزوير، فإن هناك في المقابل تحديات وصعوبات عديدة لا تزال تقف عائقا أمام العمل بهذه التقنية ومواد النانو عموما وتطبيقها في منافذ البيع والهيئات الرقابية والجمركية. وأبرز هذه الصعوبات التكلفة المادية المرتفعة لطباعة الباركود المصنوع بتقنية النانو والمفترض طباعته على بطاقات تغليف المنتجات الغذائية والدوائية، وتكلفة أيضا تصنيع أجهزة المسح المتخصصة في قراءة شفرة النانو.

وهناك أيضا أكثر من هاجس يتعلق بمدى سلامة وتطبيق مواد وجزيئات النانو خاصة في مجال صناعة المنتجات الغذائية والدوائية، نظرا لتخوف البعض من إمكانية تلوث الأطعمة ومكونات الأدوية وغيرها بهذه الجزيئات، خاصة في ظل امتصاصها بسرعة وقدرة كثير من مواد النانو على الذوبان والامتزاج مع المواد الأخرى.

لكنّ العاملين في هذا المجال يؤكدون على عدم وجود مخاطر حقيقية على الصحة العامة أو البيئة المحيطة معولين في هذا على ضآلة نسب مواد النانو المستخدمة في طباعة الباركود والشرائح الضوئية، وأيضا على صعوبة امتزاج مواد النانو خاصة النوع الصلب منها بالمادة الغذائية أو الدوائية أثناء عملية التصنيع أو التعليب.

أما فيما يخص تكلفة تطبيق هذه التقنية وتصنيع أجهزة المسح والقياس الجديدة، فيحذو كثير منهم تفاؤل كبير بانخفاض هذه التكلفة تدريجيا خاصة مع التطوير المستمر الحادث ومع ظهور أجيال جديدة من شفرات النانو والأساليب الأخرى الجديدة المعتمدة على مواد النانو.

_________________
* كاتب وباحث علمي من مصر

المصدر : الجزيرة