*الصغير الغربي

تعتبر مسألة توحيد القوى الأربع الأساسية في الطبيعية إحدى أهم المسائل العلمية التي استعصت على الحل بالنسبة لعلماء الفيزياء. وسعت نظرية الأوتار الفائقة إلى تحقيق هذا الهدف من خلال إنهاء تمرد نظرية النسبية العامة التي ترفض الخضوع لمقتضيات نظرية الكم.

لكن النظرية الجديدة باعتمادها على الرياضيات بدت للكثيرين أجمل من أن تكون واقعية بأوتارها المهتزة التي تشكل اللبنة الأساسية للكون، وبأبعادها الإحدى عشرة والأكوان المتوازية التي تتنبأ بوجودها.

فما هي نظرية الأوتار الفائقة وما هي أهم الأفكار التي تقوم عليها؟ وما هي الأهمية التي ستمثلها لو أثبتت صحتها؟ وما هي أهم براهين المدافعين عنها والمشككين فيها؟

نظرية الأوتار الفائقة هي نظرية تحاول الإجابة عن السؤال: ما هي المكونات الأساسية الأولية غير القابلة للتجزئة وغير القابلة للتقسيم، التي يتركب منها كل شيء في الكون؟

والهدف من الإجابة عن هذا السؤال هو تجاوز إحدى كبرى العقبات في تاريخ الفيزياء وهي توحيد القوى الأربع الأساسية في الطبيعة وهي القوة الكهرومغناطيسية وقوة الجاذبية والقوتين النوويتين الصغرى والكبرى، إضافة إلى أهم فكرة تشغل بال الفيزيائيين منذ عقود طويلة وهي إيجاد إطار يمكن من التوفيق بين ميكانيكا الكم ونظرية النسبية العامة.

أزمة الفيزياء
ولتيسير فهم المبادئ التي تقوم عليها والأفكار التي تطرحها لا بد من العودة إلى الإشكالات التي وقفت أمام الفيزيائيين في فهم الكون.

ففي بداية الثلاثينيات من القرن العشرين -في الوقت الذي انتشرت فيه نظرية النسبية العامة وقدمت تفسيرا مقبولا لدى العلماء في فهم ما يجري على المستوى الكوني الكبير بوصف كيفية تحكم قوة الجاذبية في حركة الأجرام السماوية- بدأت ميكانيكا الكم تفك أسرار الذرة ومكوناتها.

نظرية النسبية قدمت تفسيرا مقبولا لفهم ما يجري على المستوى الكوني الكبير لكنها فشلت على مستوى الذرة (الأوروبية)

استطاعت هذه النظرية وبكل اقتدار تقديم وصف دقيق لعمل كل القوى الطبيعية في العالم المجهري ما عدا الجاذبية. ولم يستطع العلماء فهم كيفية عمل الجاذبية على مستوى الذرات والجسيمات تحت الذرية. ولعقود طويلة، انتهت كل محاولات وصف قوة الجاذبية بنفس طريقة القوى الأخرى بلغة ميكانيكا الكم بالفشل.

لكن العلماء يعتقدون أن قوانين الطبيعة قابلة للتطبيق في كل مكان، لذا لو أنه كان يفترض بقوانين أينشتاين أن تطبق في كل مكان فإن قوانين ميكانيكا الكم يفترض بدورها أن تكون قابلة للتطبيق في كل مكان أيضا.

وقد قضى أينشتاين ما يزيد على عقد من الزمن في محاولة توحيد قوتي الجاذبية والكهرومغناطيسية لكنه فشل. ولم يتمكن العلماء من فهم كيف يمكن إخضاع قوة الجاذبية لمبادئ ميكانيكا الكم كما هو الأمر مع القوى الأساسية الثلاث الأخرى.

ولئن حققت نظريتا النسبية العامة وميكانيكا الكم نتائج مذهلة في فهم الكون فإن بعض الظواهر الكونية لا يمكن دراستها إلا بجمع النظريتين معا وتوحيد القوى الأربع الرئيسية في الطبيعة. ومن هذه العوالم الثقوب السوداء التي لها كثافة عالية جدا ويمكن أن يكون حجم مركزها في غاية الصغر أي أنها مجال تطبق فيه النسبية العامة وميكانيكا الكم في نفس الوقت. لكن المشكلة أن كلا النظريتين لا يمكنهما وصف ما يجري داخل الثقوب السوداء.

أوتار وأبعاد إضافية
وفي محاولة لتوحيد القوى الأربع وحل هذه الإشكاليات تم في الستينيات من القرن الماضي طرح نظرية أطلق عليها نظرية الأوتار. وبدلا من تعدد الجسيمات النقطية الصغيرة جدا المشكلة للمادة وتنوعها أعلنت نظرية الأوتار أن كل القوى وكل المواد صنعت من مكون واحد وأن الوحدة الأساسية لتشكيل المادة -أي الجسيمات- هي أوتارٌ مُهتزة.

ويمكن لكل وتر أن ينثني بطرق كثيرة ومختلفة، أما النقطة فلا تستطيع فعل ذلك. وتمثل الطرق المختلفة التي ينثني بها الوتر الأنواع المختلفة من الجسيمات الأولية ويمكنه أن يتذبذب مثل وتر الكمان وكل نغمة تصف جسيما مختلفا.

تحاول نظرية الأوتار تفسير ما يجري داخل الثقوب السوداء (رويترز)

وتقدم نظرية الأوتار الفائقة أيضا فكرة ثانية لا تقل غرابة عن الأولى تتعلق بوجود سبعة أبعاد إضافية في الكون إضافة للأبعاد الأربعة المعروفة وهي أبعاد المكان الثلاثة وبعد الزمن. وهذه الأبعاد يلتف بعضها على بعض ولا يمكن تمييزها على المستوى المرئي بالنسبة لنا وإنما يمكن تمييزها على مستوى الأوتار المهتزة نفسها والأمر شبيه بمثال السلك الكهربائي الذي يبدو للإنسان ذو بعد واحد لكنه بالنسبة لكائن صغير جدا فهو ذو شكل إسطواني أي أن له ثلاثة أبعاد.

كما أدخلت النظرية ما يسمى بالتناظر الفائق في فيزياء الجسيمات، وهي المبادلة بين البوزونات (مثل الفوتون وبوزن هيغز والجرافيتون) والفرميونات (الإلكترونات والكواركات).

لكن نظرية الأوتار وباعتمادها على حلول لمعادلات رياضية بكل تعقيداتها وتعدد التفسيرات التي تقدمها للواقع تفرعت إلى خمس نظريات تختلف في عدد الأبعاد وفي طبيعة الأوتار مغلقةً كانت أو مفتوحةً. وهو ما دفع الفيزيائي الأميركي إدوارد ويتن إلى وضع نظرية شاملة تدمج "نظريات" الأوتار تحت اسم نظرية "إم".

يدرك علماء نظرية الأوتار أن لديهم مشكلة في كيفية اختبار النظرية في الحقيقة، فالأوتار إن وجدت ستكون صغيرة جدا وإمكانية رؤية أحدها ضعيفة للغاية

آمال وشكوك
ويأمل العلماء من خلال هذه النظرية الموحدة أن تقدم حلولا لفهم ما عجزت عنه كل من النسبية العامة وميكانيكا الكم منفصلتين، أولها فهم ما جرى في اللحظات الأولى من بداية الكون وفك لغز المادة السوداء والطاقة المظلمة اللتين تمثلان أكثر من 95% من الكون وتفسير ما يحدث داخل الثقوب السوداء.

وعلى الرغم من انتشارها الواسع، فإن نظرية الأوتار تلقى نقدًا شديدًا من العديد من الفيزيائيين الذين يعتقدون أنها مجرد "هراء" رياضي. والسبب الأساسي في ذلك هو تعقيد توصيفها الرياضي، والتفسيرات الخيالية التي تطرحها للواقع الذي نعيش فيه، وأنها مجرد بناء نظري مثير للاهتمام، فضلاً عن أنه لا يوجد إلى اليوم أي دليل تجريبي يثبت صحتها.

يدرك علماء نظرية الأوتار أن لديهم مشكلة في كيفية اختبار النظرية في الحقيقة، فالأوتار إن وجدت ستكون صغيرة جدا وإمكانية رؤية أحدها ضعيفة للغاية، لكن فكرة إثبات الأبعاد الإضافية التي تقترحها النظرية قد تكون ممكنة في مصادم الهادرونات الكبير خلال السنوات القليلة القادمة. ذلك أنه عند تصادم الجسيمات ذات الطاقة العالية جدا قد تنتقل الطاقة إلى أبعاد غير الأبعاد المعروفة وسيحدث إخلال بقانون حفظ الطاقة.

فكرة النظرية العلمية التي يمكنها الإجابة عن كل الأسئلة الأساسية تبدو مغرية جدا بجمالها، لكن هذه النظرية المغرية تبدو جدلية جدا أيضا.


_______________
* إعلامي تونسي متخصص بالشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة