منذ تأسست إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) قبل أكثر من نصف قرن وهي تتحفنا في كل حين بأخبار اكتشافات علمية جديدة للفضاء المحيط بنا، وتمدنا بالصور للمجرات والكواكب والنجوم تحير الألباب وتبهر العقول.

تأسست ناسا يوم 29 يوليو/تموز 1958 في عهد الرئيس الأميركي الراحل دوايت أيزنهاور لتخلف "اللجنة الاستشارية الوطنية لعلوم الطيران" التي تأسست عام 1915.

وعندما بدأت العمل في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، استوعبت ناسا إرث اللجنة التي تم حلها في ذلك التاريخ، وهم ثمانية آلاف موظف وميزانية سنوية بنحو مئة مليون دولار، وثلاثة مختبرات أبحاث رئيسية، ومرفقا اختبار صغيران.

كما أدخل إليها عناصر من "وكالة الصواريخ الباليستية" و"مختبر بحوث البحرية الأميركية"، مما ساهم بقوة في دخول ناسا سباق الفضاء مع الاتحاد السوفياتي آنذاك.

يتولى رئاسة ناسا حاليا اللواء تشارلز بولدن الذي رشحه الرئيس الأميركي باراك أوباما، واعتمده مجلس الشيوخ ليصبح المدير الثاني عشر لإدارة الفضاء والطيران الأميركية، وقد تولى مهامه يوم 17 يوليو/تموز 2009.

الرئيس الحالي لناسا تشارلز بولدن (رويترز)

ومنذ انطلاقها قادت ناسا معظم جهود استكشاف الفضاء، بما في ذلك مهمات هبوط المركبة أبولو على سطح القمر ومحطة الفضاء "سكاي لاب"، ولاحقا برنامج "نظام النقل الفضائي"، وحاليا تشترك ناسا في "محطة الفضاء الدولية"، كما تشرف على تطوير "مركبة أوريون المتعددة الأغراض" و"نظام تشغيل الفضاء"، ومركبات الفضاء التجارية.

على الصعيد العلمي، تركز ناسا على فهم أفضل للأرض من خلال "نظام مراقبة الأرض"، والفيزياء الشمسية، واكتشاف النظام الشمسي بمهمات فضاء آلية متقدمة مثل المركبة "نيوهورايزونز"، إلى جانب مواضيع الفيزياء الفلكية مثل "الانفجار العظيم" من خلال سلسلة أقمار "غريت أوبزرفاتوريز"، وهي أربعة مناظير (تلسكوبات) قوية في الفضاء تهدف لدراسة منطقة معينة من الطيف الكهرومغناطيسي باستخدام تقنيات مختلفة كليا.

كما تراقب ناسا طبقة الأوزون وذوبان الغلاف الجليدي لقطبي الأرض، وتتعاون مع منظمات محلية ودولية عددية في مشاريع مثل "أقمار مراقبة غازات الدفيئة".

وحتى هذا التاريخ أطلقت ناسا ما مجموعه 166 مهمة مأهولة إلى الفضاء، وألف مهمة غير مأهولة.

كان أول هبوط للبشر على سطح القمر لأبولو 11 عام 1969 (أسوشيتد برس)

المهمات المأهولة
ودون الخوض في تفاصيل برامج المهمات المأهولة لناسا فإن "برنامج أبولو" (1969-1972) يعد أكثرها تكلفة بميزانية تخطت عشرين مليار دولار في معيار الستينيات، أو ما يعادل 205 مليارات دولار في الوقت الحالي، وقد جاء تنفيذه بضغط من الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي لوضع أول إنسان على سطح القمر قبل الاتحاد السوفياتي الذي كان له الأسبقية باستكشاف الفضاء.

فقد أطلقت ناسا ضمن هذا البرنامج -وهو ثالث برامجها المأهولة للفضاء- العديد من المهمات إلى القمر نجح ست منها بالهبوط على سطحه كان أولها "أبولو 11 عام 1969 وتلتها المهمات "أبولو 12 و14 و15 و16 و17"، في حين كانت مهمات أبولو 7 و9 حول الأرض لإجراء اختبارات قيادة، بينما دارت المهمتان أبولو 8 و10 حول القمر لإجراء اختبارات بشأن العناصر المحيطة به، أما المهمة أبولو 13 فلم تهبط على سطح القمر لأعطال فنية.

كما أن ناسا صاحبة أول محطة فضاء تطلقها الولايات المتحدة وهي سكاي لاب (1965-1979)، والوحيدة كذلك التي أطلقتها الولايات المتحدة دون مساهمة دول أخرى، وقد ظلت مأهولة طيلة 171 يوما بثلاثة أطقم فضاء متلاحقة كل واحد منها يضم ثلاثة رواد.

وضمت المحطة مختبرا لدراسة تأثيرات الجاذبية الصغرى، ومرصدا شمسيا، وكانت تنوي ناسا نقلها إلى مدار أعلى آمن، لكنها لم تنته من بناء المركبة المخصصة لنقلها في الوقت الملائم، فتحطمت الأخيرة في طريق دخولها الغلاف الجوي للأرض في يوليو/تموز 1979.

صورة توضيحية للمركبة نيوهورايزونز أثناء عبورها كويكب بلوتو (الأوروبية)

المهمات غير المأهولة
أما على صعيد المهمات غير المأهولة، فقد أطلقت ناسا مئات المهمات لاستكشاف الأرض والنظام الشمسي، وكان أول تلك المهمات "إكسبلورر 1" لقياس الحقول المغناطيسية للأرض والشمس والرياح الشمسية ضمن أمور أخرى.

ولناسا العديد من المهمات التي تهدف إلى دراسة كواكب المجموعة الشمسية مثل "مارينر" الذي قام بزيارات عديدة إلى الزهرة والمريخ، وزيارة واحدة إلى عطارد، تبعها "مارينر 2" ثم "مارينر 4"، و"مارنير 9" وأخيرا "مارنير 10".

وكان أول هبوط ناجح لناسا على سطح المريخ للمركبة "فايكنغ 1" عام 1976، وبعد عشرين عاما نجحت المركبة الجوالة "مارس باثفايندر" بالهبوط على المريخ.

كما كانت المركبة "بايونير 10" أول من تزور المشتري في عام 1973، وبعد عشرين عاما أرسلت ناسا مركبة إلى الغلاف الجوي للكوكب لتصبح أول مركبة تدور في مداره.

وأصبحت المركبة "بايونير 11" أول من تزور زحل في عام 1979، كما أصبحت المركبة "فويجر 2" أول من تزور أورانوس ونبتون في عامي 1986 و1989 على التوالي، ولاحقا أصبحت المركبة بايونير 10 أول مركبة فضاء تغادر النظام الشمسي وذلك عام 1986، وكانت لبعض الوقت أبعد مركبة فضائية عن الأرض قبل أن تتخطاها المركبتان فويجر 1 وفويجر 2.

وفي أغسطس/آب 2012 أرسلت ناسا المنظار كريوستي إلى المريخ ليبدأ البحث عن أدلة على وجود حياة سابقة على سطح الكوكب الأحمر، وقد استطاعت مؤخرا عرض أدلة تشير إلى وجود مياه مالحة على المريخ مما قد يؤشر إلى إمكانية وجود حياة عليه.

هابل يعد أحد أكثر مشاريع ناسا نجاحا نظرا للإنجازات العديدة التي قدمها (أسوشيتد برس)

منظار الفضاء هابل
تعد مهمة منظار الفضاء هابل الذي أطلق إلى مدار الأرض عام 1990 أحد أكثر مشاريع ناسا نجاحا، حيث ساعد على فهم تكوين النجوم والكواكب وتحديد عمر الكون، وسيستمر هذا المنظار في العمل لعدة سنوات أخرى قبل أن يدخل مجال الغلاف الجوي ويتفحم ويتفتت عام 2024. أما خليفته فهو جاهز وسيتم إطلاقه عام 2018 ويدعى جيسم ويب.

الميزانية
كانت ميزانية ناسا تشكل 1% من الميزانية الاتحادية للولايات المتحدة منذ بداية السبعينيات، لكنها صعدت إلى نحو 4.41% في عام 1966 خلال مهمات برنامج أبولو، ثم انخفضت بشكل كبير بعد انتهاء ذلك البرنامج لتصل حاليا إلى نحو 0.48% من الميزانية الاتحادية.

وفي السنة المالية لعام 2015 تلقت ناسا نحو 18 مليار دولار من الكونغرس بزيادة 549 مليون دولار عن المتوقع، وبزيادة نحو 350 مليون دولار عن ميزانية عام 2014. وهي تملك حاليا عشرين مركز أبحاث ومختبرا موزعة في أنحاء الولايات المتحدة.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية