الصغير الغربي

يجمع الكثيرون على أن الطباعة الثلاثية الأبعاد (المجَسَّمة) على وشك إحداث ثورة صناعية جديدة بدأت بالانتشار الواسع لتشمل ميادين عديدة جعلت منها إحدى أهم التقنيات التي ستكون من ركائز التقدم التكنولوجي في المستقبل، معتمدة في ذلك على ميزتين هامتين هما سرعة الإنجاز والكلفة المتدنية مقارنة مع طرق التصنيع التقليدية.

وتعتمد الطباعة الثلاثية الأبعاد في صناعة المجسمات على مخطط ثلاثي الأبعاد ينجز بواسطة برمجيات متخصصة ومن ثم يتم إرسال الملف إلى الآلة (الطابعة) التي ستنفذ هذا التصميم بضخ مواد مثل البلاستيك والراتنج (صمغ النباتات) السائل أو الخشب في طبقات أفقية ثم تترك لتبرد وتتصلب ويتم بعد ذلك تجفيفها باستخدام الأشعة فوق البنفسجية.

ورغم أن هذه التقنية لم تنتشر إلا في السنوات القليلة الماضية فإن أسسها النظرية تعود إلى الثمانينيات من القرن الماضي. ففي سنة 1983 حصل المهندس الأميركي تشاك هال على براءة اختراع أول تقنية للطباعة الثلاثية الأبعاد أطلق عليها الطباعة المجسمة.

وأول طابعة مجسِّمة تم إطلاقها في عام 1988 من قبل شركة أسسها قبل ذلك بعامين هال نفسه، وكانت التقنية المستعملة هي تلك التي طورها وحصل على براءة اختراعها عام 1983.

لكن منذ سنوات قليلة فقط بدأ الجمهور الواسع بالاهتمام بتقنية الطباعة المجسمة مكتشفا إمكاناتها الواسعة للتطبيق في مجالات عديدة كصناعة الطيران والسيارات والإنشاءات والتصميم والطب والبحث العلمي النظري وغيرها.

تتعدد "أحبار" الطابعات المجسمة لكن أشهرها هو البلاستيك (رويترز)

تطبيقات
ففي مجال الطيران نجح مهندسون من جامعة ساوثهامبتون البريطانية في صنع طائرة من دون طيار باستخدام تكنولوجيا الطباعة الثلاثية الأبعاد. وقد تمت صناعتها من أربع قطع رئيسية ويمكن تركيبها دون الحاجة لأي معدات. ومن المتوقع أن يستمر هذا النوع من الطائرات في الزيادة مع تقليص نفقات التصنيع وزيادة جودة المواد المستخدمة في تصنيعها.

وكانت شركة إيرباص لصناعة الطائرات قد أعلنت سابقا أنها تملك برنامجا لصناعة جميع مكونات طائراتها باستعمال تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد خلال السنوات القليلة القادمة. ومن ناحيتها تقوم شركة بوينغ حاليا بتصنيع ما يزيد على 22 ألف قطعة غيار باستعمال هذه التقنية.

وفي مجال عالم صناعة السيارات، نجحت شركة "لوكل موتورز" الأميركية في إنتاج أول سيارة مطبوعة بالعالم تم عرضها خلال السنة الماضية بمعرض شيكاغو للسيارات. وقد بدأت الشركة فعليا في إنتاج سيارة كهربائية باستعمال الطباعة المجسمة استعدادا لطرحها في الأسواق في بداية سنة 2016. وتستغرق مدة تصنيع سيارة واحدة نحو 44 ساعة حاليا ومن المنتظر أن تنخفض إلى 24 ساعة فقط العام القادم.

وفي مجال الإنشاءات والبناء نجحت شركة صينية في مارس/آذار الماضي في إنشاء مبنى سكني مكون من خمسة طوابق، وفيلا على مساحة ألف متر مربع، باستخدام تقنية الطباعة المجسمة. وقالت الشركة إن هذه المباني أقل كلفة وذلك لسرعة بنائها وحاجة هذه التقنية إلى عدد أقل من العمال وتوفير مخلفات أقل. وقد اعتمدت الشركة على طابعة مجسمة عملاقة تستعمل مزيجا من مواد البناء والمخلفات الصناعية مثل الزجاج، الذي يوضع حول قاعدة من الإسمنت سريع الجفاف، ممزوجا بعنصر خاص ليزيد صلابته.

دب من الشوكولاته طبع باستخدام طابعات طعام مجسمة (رويترز)

المجال الطبي
كما دخلت الطباعة المجسمة مجال الطب من خلال ابتكار مهندس بريطاني تقنية جديدة تمكن من طباعة أيد "روبوتية" متطورة لمبتوري الأطراف العليا يمكنها القيام بما تقوم به اليد الطبيعية. وتتميز هذه اليد بكلفتها المتدنية مقارنة بتلك التي يتم تصنيعها بتقنيات أخرى إضافة إلى أن صنعها يستغرق وقتا أقل.

كما نجحت سابقا عملية طباعة عظام صناعية من مواد شبيهة بالنسيج العظمي وتتخذ نفس شكل وحجم العظم المراد تعويضه.

وفي المجال الطبي كذلك سمحت وكالة الصحة الأميركية "أف دي أي" في أغسطس/آب الماضي بتداول أول دواء تم إنتاجه بتقنية الطباعة المجسمة وهو دواء سبريتام المخصص لعلاج الصرع. وتجري حاليا اختبارات لطباعة أدوية خاصة بالأطفال في أشكال مختلفة تكون أكثر قبولا لديهم وتخفض من نسبة رفضهم لتناولها.

كما انتشرت تقنية الطباعة المجسمة في مجالات أخرى كصناعة الملابس والمنتجات الاستهلاكية وصناعة الإكسسوارات ولعب الأطفال وغيرها.

الدمى والمجسمات الصغيرة من أشهر استخدامات الطابعات المجسمة (أسوشيتد برس)

آفاق جديدة
ومع نمو سوق الطابعات المجسمة والمنخفضة الكلفة نسبيا بوتيرة متسارعة، واتساع رقعة استخداماتها الصناعية من المنتظر أن يتجاوز عدد الطابعات في الأسواق العالمية هذه السنة 217 ألف وحدة حسب مؤسسة غارتنر للدراسات التي تتوقع أن يتضاعف هذا العدد خلال السنة القادمة. وسيبلغ الحجم المالي لسوق الطباعة المجسمة عام 2018 نحو 16.2 مليار دولار.

ولمواصلة هذا الانتشار الواسع تحتاج الطباعة الثلاثية الأبعاد إلى تخطي بعض العقبات أمامها أهمها صعوبة عملية المسح الثلاثي الأبعاد للمجسمات المعقدة والتي تحتاج الدقة في التفاصيل الصغيرة من أجل خروج مجسم متماسك وغير مشوه، وتدني جودة بعض المجسمات، وارتفاع كلفة الطباعة بما لا يجعلها في متناول الجميع.

ويعتبر هذا التحدي الأخير ذا أهمية خاصة لكسب مجالات جديدة تهم المنتجات الاستهلاكية التي يمكن طباعتها في المنزل فبدلا من شراء مفك براغي مثلا يمكن طلب شراء تصميمه على الإنترنت وطباعته في المنزل دون الحاجة لاقتنائه من محل بيع الأدوات الحديدية والكهربائية. وقس على ذلك مئات من السلع الاستهلاكية التي يمكن طباعتها في المنزل إذا ما توفرت المواد الأولية لذلك.

فإذا تم تجاوز العقبة الأخيرة لن يكون بإمكاننا عندئذ حصر المجالات التي دخلتها الطباعة المجسة، وإنما سيكون من الأيسر حصر المجالات التي استعصت عليها والتي قد يكون من بينها طباعة الأعضاء الحية، رغم أن فرعا من الطباعة المجسمة -يطلق عليه الطباعة المجسمة العضوية- هو الآن في طور بداياته.
_______________
*إعلامي تونسي متخصص بالشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة