يوسف سيمو*

عندما حصل المهندس المغربي ماجد البوعزاوي على الميدالية الذهبية للدورة الأولى "للمباراة الدولية للاختراع والابتكار2015" في عاصمة كوريا الجنوبية عن اختراعه المسمى "مالتي فيو سكرين"، تأكد له بالملموس أن مشروعه تلقى قوة الدفع اللازمة.

المشروع الذي انتزع بواسطته هذا المهندس الشاب (38 سنة) الاعتراف العالمي من قلب العاصمة الآسيوية التي تصنع كل ما له علاقة بالشاشات والمشاهدة، يتلخص في تقنية متطورة تمكن مشاهدين متعددين من متابعة برامج مختلفة في الوقت نفسه وعلى الشاشة نفسها، دون الحاجة إلى نظارات أو أي إكسسوارات إضافية.

ولأنه قادم من عالم التكنولوجيا والتدبير، فقد سارع البوعزاوي إلى استثمار كل الأجواء الإيجابية التي صاحبت تتويجه، لتسويق صورته على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام  لبضعة أشهر، ليطلق بعد ذلك حملة لحشد التمويل لمشروعه من خلال إحدى المنصات المتخصصة في التمويل التشاركي عبر الإنترنت.

ممولون افتراضيون
المهندس المغربي مثله مثل الكثيرين عبر العالم، يلجأ اليوم إلى التمويل عبر الإنترنت، أو ما يُسمى بـ"كراود فندنغ"، والذي أصبحت توفره منصات إلكترونية متخصصة مثل مواقع "كيك ستارتر" و"ماي ميجور كامباني" و"كيسكيس بنك بنك"، إلى جانب منصات عربية مثل "يُمكن" و"ذو مال".

عملية التمويل عبر الجمهور تتميز ببساطتها وسهولة تنفيذها، حيث يقوم صاحب الابتكار أو الفكرة بتقديم نبذة عن مشروعه بطريقة مغرية، غالبا ما تكون بواسطة فيلم ترويجي مختصر

وعملية التمويل عبر الجمهور تتميز ببساطتها وسهولة تنفيذها، حيث يقوم صاحب الابتكار أو الفكرة بتقديم نبذة عن مشروعه بطريقة مغرية، غالبا ما تكون بواسطة فيلم ترويجي مختصر، ويشرح في فيلمه هذا إن كان المبلغ المطلوب لإنجاز المشروع جزئيا أم كليا، ليختم بالإعلان عن تاريخ غلق باب التبرع.

ويقوم المتصفحون الذين تغريهم الفكرة بتقديم المساهمة التي يريدون، وتتحدد قيمتها بحسب إمكانياتهم وحسب ما يقدمه لهم صاحب الفكرة كمقابل لهذه المساهمات.

ويتنوع المقابل الذي يجنيه المتبرع بين الإشارة إلى شخصه في تنويهات مصاحبة للعمل المنجز، وبين الدخول كشريك مساهم في رأسمال المشروع، أو اقتراحات أخرى يتفرد بها كل موقع. وإذا لم تبلغ مجموع المساهمات السقف المحدد يمكن لأصحابها استردادها تلقائيا، وهو ما تلتزم به إدارة هذه المنصات.

ويبرز مؤسس موقع "كيسكيس بنك بنك" فانسن ريكوردو أهمية هذا النوع من التمويل بأنه يقدم -إضافة إلى السيولة المالية- دعما لا يقدر بثمن يتمثل في التسويق الذي يقوم به الممولون الافتراضيون لفائدة المشروع بين أوساطهم ولدى محيطهم القريب.

مشكل ثقافي
غير أن المتتبعين يسجلون منذ مدة ضعف الترويج لمشاريع الباحثين خلافا للضجة التي تحدثها حملات تعبئة التمويل للفنانين، خصوصا من تسبقهم سمعتهم في مواقع التواصل الاجتماعي.

فعلى سبيل المقارنة، استطاع المخرج الأميركي "سبايك لي" جمع 1.5 مليون دولار عبر موقع "كيك ستارتر" لتمويل فيلمه الأخير، مقابل حوالي عشرة آلاف دولار أميركي جمعتها الباحثة في جامعة فلوريدا "كريستينا كيلغروف" من خلال منصة "روكيت هاب" لتمويل تجربتها المخبرية لتحليل الحمض النووي لهياكل عظمية ترجع للعهد الروماني.

الشهادة والميدالية اللتين  حصل عليهما البوعزاوي في سيول بكوريا الجنوبية (الجزيرة)

ويفسر المعنيون بالشأن العلمي ضعف تمويل هذا المجال بسبب قلة المنصات في مجالات تخصصهم، مما يضطر المهتمين والممولين المحتملين الذين يدخلون إلى هذه المنصات ذات الطابع العام للتأرجح بين الرغبة في تمويل فيلم تسجيلي موضوع على نفس الموقع بجوار مشروع إصلاح سقف مدرسة في الأرياف، وبينهما شريط يشرح كيفية تطوير عقار علاج داء "ألزهايمر".

ويطرح هذا إشكالية "الاستهداف" في هذه المنصات والتي يرى البعض أن دورها  قد يكون أكثر فعالية لو أنها اعتمدت التخصص، مما سيمكنها من توجيه رسائلها إلى الفئة المعنية أكثر بموضوع الحملة وبالدقة المطلوبة. 

هذا الوضع لم ينل من عزم الباحثين والعلماء الذين شرعوا في استثمار هذه الوسائط التمويلية البديلة والتي تتطور شيئا فشيئا في الولايات المتحدة الأميركية بعد إطلاق مواقع مثل "إيكسبيريمنت" و"بيتريديش" و"روكيت هاب".

الحيطة القاتلة
في الدول العربية حيث وضعية تمويل البحث والابتكار مختلفة تماما عن ما هو عليه الحال في الدول الغربية، فإن المتابعين يقللون من فرص لجوء الباحث العربي إلى التمويل التشاركي عبر الإنترنت.

ويرجع ذلك في نظرهم إلى سيادة ثقافة "الباحث الموظف" الملتصق دوما بضرع التمويل العمومي من جهة، ومن جهة ثانية إلى سيطرة الهاجس الأمني على سياسة الدولة التي ترى في أية عملية تمويل لا يتحكم فيها "النظام" نفسه، عملية مشبوهة تستوجب الحيطة والحذر.

وإلى جانب حيطة الدولة كخاصية عربية، يلاقي هذا النوع من التمويل نفس التحديات المطروحة على دول أخرى، أبرزها تحدي مشاركة الابتكارات وتقاسمها على مواقع التمويل الجماعي في ظل غياب حماية واضحة للملكية الفكرية.

ولعل هذا هو السبب الذي جعل المخترع المغربي ماجد البوعزاوي يكتفي بعرض الفوائد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية لـ"شاشته" لا أكثر، وأن يحرص على ألا يتسرب عن ابتكاره أدنى تفصيل.

حيطة الدولة القاتلة، وخوف المخترع المشروع، وعدم إطلاع الممول المحتمل على أي معلومة تخص الابتكار نفسه؛ كلها عوامل لا تساعد بتاتا المواطن العربي على الانخراط في أدنى مجهود لحشد التمويل لأي مشروع ابتكار.

لذلك، ليس غريبا ألا يحصل مشروع "الشاشة المتعددة المشاهدين" لمخترعه البوعزاوي على حتى دولار واحد بعد شهور من إطلاقه. إنها ببساطة الحيطة القاتلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*صحفي مغربي متخصص في الشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة