*الصغير الغربي

هو أحد أهم مجالات بحوث الفيزياء الكمية التي تستقطب أبرز العلماء وأكثر مراكز البحوث تقدما ليس فقط لتحقيق حلم بشري قديم بالانتقال السريع من مكان إلى آخر الذي كثيرا ما جسدته قصص وأفلام الخيال العلمي، بل كذلك لإحداث اختراق جديد يمكن العصر الرقمي من الانتقال إلى طور جديد: إنه الانتقال الآني الكمي.

يتقدم رجل بلباس بزي أنيق نحو كابينة أسطوانية شفافة تشبه كابينة المصعد، يضغط على الزر فينفتح بابها ثم يدخل ويضغط على زر داخلي فيختفي تماما ليظهر آنيا في مكان آخر من الكون وبنفس الهيئة. هكذا صورت أفلام ومسلسلات الخيال العلمي -أبرزها سلسلة أفلام "ستار ترك"- عمليات الانتقال الآني أو التيليبورتيشن.

ومصطلح الانتقال الآني وضعه الكاتب الأميركي شارل فور في بداية القرن العشرين. ثم استخدم عدة مرات من قبل كتاب الخيال العلمي للإشارة إلى أنماط من نقل المادة، حيث تحول هذه الأخيرة أولاً إلى طاقة ثم يعاد تكوينها عند نقطة الوصول.

ويكون انتقال المادة من مكان لآخر بجميع عناصرها آنيا دون حدوث أي خلل في تركيبتها ودون العبور بالفراغ. وخلال العملية يتحلل الجسم المنقول بموقع معين بينما يظهر نموذج أو نسخة مطابقة للأصل منه في موقع آخر (أيا كانت المسافة).

لكن التقدم العلمي باتجاه هذا الهدف لا يبدو بهذه السهولة التي يصورها خيالنا، فهناك فرق بين أن تحلق بأجنحة الخيال فوق السحاب وأن تسير على قدميك بين جبال وأودية وأنهار لتصل لنفس الهدف. لهذا ما زال الانتقال الآني رغم مرور ما يقارب عقدين لم يتجاوز نقل معلومات تتعلق بالحالة الكمية لذرة ما أو فوتون.

الانتقال الكمي
وحين يتحدث العلماء عن الانتقال الآني فهم يتحدثون عن الانتقال الآني الكمي أو الكوانتي الذي تم ترويضه بواسطة عدد من الباحثين وبدأت نتائجه تثمر من خلال العديد من عمليات النقل الناجحة إلى حد الآن. غير أن معنى الانتقال الآني في المجال الكمي قد تغير بعض الشيء فهو لا يعني سوى نقل معلومات عن الحالة الكوانتية لجسيم ما وليس نقله هو بذاته.

وقد ظلت فكرة الانتقال الآني ضربا من الخيال العلمي إلى غاية سنة 1992 حين أكدت مجموعة من العلماء من بينهم الفيزيائي شارلز بينيت في مقال علمي إمكانية تحقيق ذلك نظريا وذلك بالاعتماد على ظاهرة تناولها آينشتاين وشرودنغر منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

غرفة الانتقال الآني في أحد أفلام الخيال العالمي "ستار ترِك " (غيتي)

ووفق تلك النظرية يمكن لجسيمين كوانتيين أن يظلا في ظروف معينة متصلين برباط غير مادي وغامض يسمى "التشابك" الكمي. وهي ظاهرة كَمّية ترتبط فيها الجسيمات مثل الفوتونات والإلكترونات والذرات ببعضها رغم وجود مسافات كبيرة تفصل بينها.

وكان الفيزيائي دافيد بوم قد عرضها وفق صيغة مبسطة مفادها أنه يمكن لفوتونين أن يصدرا من المنبع نفسه بحيث يكون استقطابهما متعاكسا مهما كان القياس الذي يخضعان له طالما كان القياس نفسه. فإذا قسنا استقطاب أي من الفوتونين عند أي زاوية كانت فإننا سنعرف عندها كيف سيتفاعل الفوتون الثاني عند تطبيق القياس نفسه عليه.

وهذا المبدأ هو ذاته الذي اعتمده فريق البحث الذي يقوده الفيزيائي السويسري نيكولاس جيزين من جامعة جينيف في سبتمبر/أيلول الماضي لتحقيق أكبر مسافة مسجلة إلى اليوم في مجال النقل الكمي وهي 25 كلم.

التقدم العلمي ورغم الجهود المضنية على مدى أكثر من عقدين لم يمكّن الإنسان إلى حد اليوم من نقل ذرة واحدة آنيا فما بالك بكتلة تحتوي على أكثر من مليار مليار مليار ذرة وهو ما يحتويه جسم إنسان متوسط الحجم

وتمثلت التجربة في إصدار فوتونين من نفس المنبع الضوئي وحصل بينهما تشابك كمي في محملين مختلفين فتم وضع الفوتون الأول "أ" في أسلاك من الألياف البصرية بينما حُبس الثاني "ب" داخل تركيبة بلورية. وتم إصدار فوتون ثالث وهو "ت" في الاتجاه المعاكس للفوتون "أ" داخل سلك الألياف البصرية ليصطدم به ويتحطم كليهما. لكن الغريب هو ملاحظة أثر الاصطدام الذي حصل للفوتون "أ" على الفوتون "ب" رغم وجوده على مسافة 25 كلم.

وقد سبق هذا النجاح العلمي إنجازات مماثلة لنقل الحالة الكمية للفوتونات كان أولها سنة 1997 وللذرات سنة 2004 ولكن لمسافات أقصر.

ورغم أن الأمر لا يتعلق هنا بالنقل الآني للمادة بل بمعلومات تخص الحالة الكمية لجسيم ما، فإن هذه النتائج ستكون هامة جدا في مجال الحوسبة الكمية التي تعتمد في معالجة البيانات على مبادئ ميكانيكا الكم وخاصة منها التشابك الكمي المذكورة سابقا ومبدأ التراكب الكمي الذي سيمكّن وحدة قياس البيانات المسماة كيوبت من اتخاذ ثلاث قيم وهي صفر أو واحد أو كليهما معا عكس الوحدة الكلاسيكية البايت التي لا يمكن أن تتخذ سوى القيمتين الأوليتين.

كما سيمكن التشابك الكمي من رفع درجة الأمان عند تبادل المعلومات بين نقطتين بشكل آني بما أن فك الترميز سيكون مستحيلا في أي نقطة أخرى من الشبكة.

لكن السؤال الرئيسي "هل سيأتي يوم ننتقل فيه آنيا من مكان لآخر؟" يظل دون إجابة حاسمة، فأكثر العلماء تفاؤلا يقولون إن ذلك غير ممكن حاليا أو حتى في المستقبل البعيد.

فالتقدم العلمي ورغم الجهود المضنية على مدى أكثر من عقدين لم يمكّن الإنسان إلى حد اليوم من نقل ذرة واحدة آنيا فما بالك بكتلة تحتوي على أكثر من مليار مليار مليار ذرة وهو ما يحتويه جسم إنسان متوسط الحجم. هذا إذا سلمنا جدلا أنه سيبقى حيا بعد تفتيت جسمه إلى طاقة قبل إعادة تركيبه ثانية.

إجابة قد تُشعر الحالمين بإمكان الانتقال الآني يوما بالإحباط. لكن العلم لا يعول عليه دائما لتحقيق الأحلام، فكثيرا ما خذل العلم الخيال.

____________ 
* إعلامي تونسي مختص بالشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة