الدكتور وحيد محمد مفضل*

على الرغم من أن اسم كوكبنا هو الأرض فإن الواقع يشير إلى أنه مائي بامتياز، بل ويستحق أن يطلق عليه كوكب الماء، كما يشير هذا الواقع بل وكل التاريخ الماضي إلى تعاظم تأثير البحار والمحيطات والمسطحات المائية عموما في حياتنا اليومية، بل وفي حالة الكوكب بأكمله بكل ما عليه من نظم بيولوجية وبيئية.

ولمَ لا والبحار والمحيطات تغطي أكثر من 71% من مساحة الأرض السطحية، ولمَ لا والبحار والمحيطات تعتبر هي مهد الحياة، ذلك أن الكائنات البدائية وأشكال الحياة الأولى قد نشأت فيها منذ أكثر من خمسمئة مليون سنة، ولمَ لا وأعداد الكائنات والموائل البحرية الموجودة بالبحار والمحيطات تبلغ أكثر من ثلاثمئة ضعف مما يماثلها على اليابسة، لا ننسى أيضا ما تقدمه لنا البحار والمحيطات سواء أكانت مصادر غذائية أم خدمات اقتصادية وترويحية أم ثروات طبيعية أم غيرها من المنافع والمزايا.

وعلاوة على كل ذلك -وهذا هو لب الموضوع هنا- فإن البحار والمحيطات تلعب دورا مهما وبالغ التأثير في تحديد طبيعية المناخ السائد والتقلبات الجوية من حولنا، وهذا من واقع تشكل الرياح الدائمة والكتل الهوائية الباردة والدافئة داخل المحيطات، ومن واقع أيضا ارتباط معظم الظواهر الجوية ودرجة حرارة الجو بنمط التيارات البحرية السائد وبالخصائص الطبيعية لمياه البحر، خاصة درجة حرارة المياه والملوحة ومعدل التبخير.

ولعل من أبلغ الأمثلة على ذلك ما تعرف بظاهرة "النينو" (El Niño) المناخية التي يتكرر ظهورها وحدوثها كل عدة سنوات داخل المحيط الهادي، لكنها تتسبب في تبدلات واضطرابات مناخية قاسية في معظم أنحاء العالم، ومن ذلك زيادة الموجات الحارة ومعدلات الجفاف والفيضانات والأعاصير.

ما هي ظاهرة النينو؟
"النينو" هي ظاهرة مناخية طبيعية تتشكل وتظهر تقريبا كل أربع إلى 12 سنة بالمحيط الهادي، وتحديدا في المنطقة المدارية الواقعة فوق خط الاستواء بين السواحل الغربية لقارة أميركا الجنوبية والسواحل الشرقية لقارة أسيا والشمالية الشرقية لأستراليا.

وتتمثل هذه الظاهرة في زيادة حرارة المياه السطحية بشكل لافت، خاصة في فصلي الصيف والخريف، بما ينتج عنه تولد تيارات وكتل مائية بحرية دافئة، وتحركها شرقا حتى بلوغ سواحل أميركا الجنوبية وبالتحديد سواحل البيرو والإكوادور، مما ينجم عنه تغيرات مناخية وبيئية قاسية في أرجاء أخرى من العالم.

ظاهرة النينو تؤدي إلى حدوث موجات ابيضاض مهلكة للشعاب المرجانية (رويترز) 

وعلى هذا النحو، فإن تيارات "النينو" البحرية الدافئة تتسبب عادة في ارتفاع درجة الحرارة واضطراب المناخ بالقرب من السواحل الأسترالية الشرقية والشمالية وإندونيسيا، كما توجِد تأثيرا مشابها على سواحل الهند وشرق أفريقيا ومناطق أخرى بالنصف الجنوبي من الكرة الأرضية، في حين تعمل هذه الظاهرة على ثبات واستقرار الأنظمة الجوية وزيادة هطول الأمطار بالنصف الشمالي من الكرة الأرضية، خاصة في روسيا والشرق الغربي للولايات المتحدة والبرازيل.

وقد سميت هذه الظاهرة "النينو" ومعناها "الولد" أو "الطفل المقدس" (المسيح عليه السلام) نظرا لتزامن تولدها مع وقت عيد الميلاد وارتباطها بأكثر من تغير بيئي ملحوظ، حيث كان صيادو البيرو والإكوادور يستخدمون هذا الاسم للدلالة على قدوم تيار "النينو" الدافئ وعلى الاضطرابات المناخية المصاحبة له.

وحتى الآن لم يتمكن العلماء من تحديد سبب تولد هذه الظاهرة المحيرة بالمحيط الهادي أو سبب ظهورها فيه كل فينة وأخرى بغير انتظام، وهو ما يجعل أمر التنبؤ بها قبل حدوثها صعبا للغاية، لكن هناك ثمة شكوك بأن الاحترار المناخي هو المسؤول عن تناميها.

وقد تم تسجيل أسوأ موجة للنينو عام 1998، حيث أدت آنذاك إلى زيادة موجات الجفاف وانتشار الحرائق في أكثر من منطقة، خاصة إندونيسيا وأستراليا، مما تسبب في هلاك حوالي ألفي شخص، وحدوث خسائر اقتصادية هائلة تقدر بمليارات الدولارات، كما أدت إلى حدوث موجات ابيضاض مهلكة للشعاب المرجانية، وتأثر التنوع الأحيائي البحري سلبا بسبب التداعيات البيئية الحادثة.

وفي مقابل "النينو" تعتبر ظاهرة "لا نينا" (La Niña) التي تحدث كل عامين إلى سبعة أعوام من الظواهر المناخية الإيجابية، نظرا لاقترانها بانخفاض درجة حرارة المياه السطحية بالمنطقة المدارية للمحيط الهادي، ونظرا أيضا لدورها في زيادة هطول الأمطار والتخفيف من حدة الجفاف، وبالتالي زيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية في المناطق والسواحل الواقعة قبالة هذه المنطقة.

آخر ظهور لظاهرة "النينو" كان خلال عامي 2009 و2010، وتسببت آنذاك في زيادة موجات الجفاف بأستراليا والفلبين والإكوادور، فضلا عن زيادة هطول الأمطار في جنوب شرق آسيا، وعواصف ثلجية قوية بالولايات المتحدة

ولادة "النينو" من جديد
وقد شهد هذا العام ظهور مؤشرات قوية وعديدة على عودة "النينو" إلى المحيط الهادي، حيث زادت درجة حرارة طبقة المياه السطحية في المنطقة المدارية شرق المحيط بدرجة ملحوظة منذ بداية أبريل/نيسان هذا العام، كما تراجعت بشكل لافت قوة الرياح الغربية التجارية، مما يشير إلى تنامي الظاهرة بهذه المنطقة.

وتوضح نتائج الرصد والقياسات الحقلية البحرية الدورية أن الحديث عن ظاهرة "النينو" قد تعدى بالفعل مرحلة التكهنات، وأنها أصبحت حقيقة واقعة وملموسة، حيث ارتفعت على سبيل المثال درجة حرارة المياه السطحية قبالة سواحل البيرو بشرق المحيط الهادي خلال يوليو/تموز المنقضي بأكثر من 1.8 درجة مئوية عن معدلها العام.

كما تزامنت مع هذا زيادة حدة وعدد الموجات الحارة والاضطرابات المناخية بالمحيط الهادي، إذ شهد على سبيل المثال الجزء الغربي منه حتى الآن خمسة أعاصير كبرى، مقارنة بإعصار وحيد في المتوسط خلال نفس الفترة من السنة.

كما تعرضت سواحل الصين الشرقية هي الأخرى لإعصار قوي هو "ساودلور"، ولظروف مناخية غير عادية، مما خلف عددا من القتلى وخسائر اقتصادية كبيرة تقدر بأكثر من ستمئة مليون دولار.

يشار إلى أن آخر ظهور لظاهرة "النينو" كان خلال عامي 2009 و2010، وتسببت آنذاك في زيادة موجات الجفاف بأستراليا والفلبين والإكوادور، فضلا عن زيادة هطول الأمطار في جنوب شرق آسيا، وعواصف ثلجية قوية بالولايات المتحدة.

بعض مناطق هندوراس تعرضت للجفاف نتيجة ظاهرة النينو (غيتي)
الاحتمالات والتوقعات
من جهة أخرى، تشير نتائج الأبحاث القائمة على نمذجة المناخ إلى استمرار ارتفاع درجة حرارة المياه في المنطقة المدارية بالمحيط الهادي خلال الشهور القليلة القادمة، بل بلوغها قيما قياسية تقارب القياسات المسجلة إبان "النينو" عام 1998.

وفي هذا السياق، فقد أكدت هيئة الأرصاد الجوية الأسترالية وكذلك المركز الأميركي للتوقعات المناخية أن ظاهرة النينو المناخية سوف تستمر في الأغلب حتى نهاية عام 2015.

وبحسب نتائج هذه النماذج، فإن من المتوقع أيضا أن تستمر ظاهرة "النينو" على شدتها الحالية وهي متوسطة حتى نهاية الخريف القادم، مع وجود احتمال لزيادتها عن هذا الحد خلال المراحل التالية، بل ربما تصبح هي الأقوى والأعنف خلال عقود.

كما تشير أيضا هذه النماذج إلى تزايد احتمالات استمرار آثار ظاهرة "النينو" هذه حتى ربيع العام القادم، وهو ما يمكن أن يؤثر بدوره على إمدادات الغذاء والمياه وعلى أسعار المنتجات الزراعية والموارد السمكية، وهذا من واقع التداعيات المناخية والبيئية الناجمة التي تتضمن خفض موارد المياه، وزيادة موجات الجفاف وذبول المحاصيل في أكثر من منطقة عبر العالم.

وبطبيعة الحال، فقد فرضت كل هذه التوقعات المتشائمة نفسها على أجندة النقاش الخاصة في قمة المناخ الدولية المقرر عقدها بباريس أواخر هذا العام، كما استنفرت اهتمام كثير من القادة ومتخذي القرار في أكثر من دولة وذلك بسبب الخسائر البشرية والاقتصادية الآخذة في الازدياد بسبب عودة "النينو".

لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن، هل ستنجح قمة المناخ القادمة وجهود الساسة عموما في الاتفاق على آلية واضحة ومحددة لمجابهة مخاطر هذه الظاهرة وغيرها من مظاهر التطرف المناخي؟ أم أن الأمر لن يزيد على طرح الأمر للنقاش من دون الوصول إلى اتفاق جاد وملزم كما هو حال كل اجتماع؟
___________
باحث وكاتب علمي

المصدر : الجزيرة