*يعرب قحطان الدوري

عندما تتفوق إنجازات وتطبيقات علم ما على عمره الثلاثيني فهذا يعني أنه جدير بالاطلاع والمعرفة. وهذه هي تقنية النانو التي تعود فكرتها للعالم ريتشارد فاينمان الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1965 عندما أشار في العام 1959 لأول مرة إلى وجود غرف كثيرة في الأسفل. وهنا قدحت شرارة العلم الجديد، أعقبه إيريك دركسلر بصياغة مصطلح "تقنية النانو" في 1986.

عالم النانو هو ذلك الذي يختص بحجم 0.1 و100 نانومتر، حيث تبرز صفات فيزيائية وكيميائية مميزة ناجمة عن زيادة المساحة السطحية مقارنة بالحجم.

المجال الصناعي
اُخترعت أنابيب الكاربون النانوي في 1991، المعروفة بأنها أخف ست مرات وأقوى مئة مرة من الحديد، واستعملت في صناعة الألياف والبلاستك الصلد ورقائق الحاسوب ومتحسسات الغازات السامة.

كما نجح الباحثون في وضع البروتينات والحمض النووي (دي أن أي) والفيروسات والبكتيريا والأحياء المجهرية الأخرى لبناء مواد نانوية. وتشهد تقنية النانو تطورات أبرزها إنتاج الطاقة وخزنها وتحويلها، وتصنيع المواد "الذكية" في الاتصالات، وغيرها.

تساعد الخلايا الشمسية المطورّة بتقنية النانو على زيادة كفاءة تحويل الضوء باستخدام البقع الكمومية أو الغرافين وتصل كفاءتها إلى ما بين 30 و40% في الوقت الحالي

الخلايا الشمسية
تساعد الخلايا الشمسية المطورّة بتقنية النانو على زيادة كفاءة تحويل الضوء باستخدام البقع الكمومية أو الغرافين وتصل كفاءتها إلى ما بين 30 و40% في الوقت الحالي. كما تساهم في زيادة تقليص الملوثات المنبعثة من محرك الاحتراق من خلال استخدام مرشحات نانوية تستطيع تنقية وتنظيف العوادم ميكانيكياً من خلال المحولات المحفزة والقائمة على جزيئات المعادن النبيلة النانوية أو من خلال المغلفات المحفزة على جدران الأسطوانة والجزيئات النانوية المحفزة.

مجال الطاقة
ويعتبر هذا المجال أكثر المشروعات تقدماً والمرتبطة بمجال الطاقة في التخزين، والتحويل، وتحسينات التصنيع بالإقلال من المواد المستخدمة ومعدلات العملية التصنيعية، وتوفير الطاقة، وكذلك توفير مصادر متجددة للطاقة.

وقد أمكن التوصل إلى تقليص أقل للطاقة من خلال تطبيق أفضل لأساليب العزل، وذلك من خلال استخدام الإضاءة الكافية، بالإضافة إلى استخدام مواد أقوى إضاءة تستخدم في قطاعات النقل، وتحويل المصابيح الضوئية المستخدمة حالياً نحو 5% فقط من الطاقة الكهربائية إلى ضوء مؤدية إلى ترشيد استهلاك الكهرباء.

تحلية المياه
إ
ن تحلية المياه هي عملية إزالة كل أو جزء من الأملاح الزائدة والمعادن من المياه. ويتم تحلية المياه ليصبح من الممكن استخدامها في الحياة العملية كالشرب والزراعة والصناعة والأدوية.

وتهتم عدد كبير من الدول المطلة على البحار بتقنية النانو عبر صناعة أغشية نانوية بإمكانها تنقية المياه من الأملاح والمواد السامة بكفاءة وسرعة عاليتين، ومن المتوقع خلال العشر سنوات القادمة أن تنمو هذه التقنية بشكل كبير باستخدام جسيمات مغناطيسية نانوية لتصفيتها من الشوائب والسموم.

عالم أميركي يستعرض ابتكاره لمادة تعمل على منع السوائل من التأثير في الأنسجة باستخدام تقنية النانو (أسوشيتد برس)

الأغذية والزراعة
وتعد عمليات ضبط جودة الأغذية والتعرف على البكتيريا باستخدام أنظمة حفظ الغذاء الذكية والنشطة، وكذلك عملية التغليف النانوية لمكونات الأغذية أمثلة قليلة لعمليات دمج تقنية النانو في مجالات تصنيع الأغذية.

ولا تخلو تقنية النانو من القدرة على تحسين قطاع الزراعة وسلسلة إنتاج الغذاء بالكامل، من عملية الإنتاج وحتى عملية الحفظ، والتجهيز، والتعبئة، والنقل ومعالجة النفايات. هذا بالإضافة إلى مواجهة الأمن الغذائي

المنزليات والأنسجة
ولعل الأحدث في مجال الأدوات المنزلية هو التنظيف الذاتي أو الأسطح "سهلة التنظيف" على السيراميك أو الزجاج، حيث طورت جزيئات السيراميك النانوية لمقاومة الحرارة للأجهزة المنزلية العامة. كذلك المنسوجات الجديدة الطاردة للبقع، حيث تصبح الملابس "ذكية" لتوفر نظام الرعاية الصحية الشخصية، واستجابة لتغيرات الطقس، من خلال دمج "إلكترونيات قابلة للارتداء". كما توفر خصائص مضادة للجراثيم وللمواد الكيميائية السامة.

الحاسوب والفضاء
كما توفر أجهزة الحاسوب الكمومي مساحة ذاكرة أوسع بالبايت الكمومي والتي يطلق عليها "كيو بايت" والتي تستخدم في إجراء الكثير من العمليات الحاسوبية وتحسينها في الوقت ذاته. وتستفيد مركبات الفضاء من تلك المواد حيث يلعب الوزن عاملاً حيوياً.

وستتيح أنابيب النانو للمهندسين بناء مصاعد فضائية والتحرك بسرعة في الفضاء. ويمكن لنفس المادة خفض تكلفة نقل المعدات عبر المصاعد وتخفيف وزن الأقمار التي تعمل بالطاقة الشمسية ومحطات الفضاء. ولا ننسى دوره في الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية وحتى الحياة اليومية للفرد العادي.

تستخدم تقنية النانو لتشخيص الأمراض دون الحاجة إلى التحليلات المختبرية أو زرع العينات الماكروبية المسببة للمرض، مما يعني السرعة في التشخيص وتخفيض التكلفة

المجال الطبي
تعد تقنية النانو ضرباً من الازدهار والتقدم مع إمكانية توصيل الدواء إلى الخلايا المريضة، مقلصاً عملية الاستهلاك الكلية للدواء من خلال إيداع العامل النشط في المنطقة المريضة فقط ومن دون أية جرعات إضافية.

وتستخدم تقنية النانو لتشخيص الأمراض بسرعة وأقل كلفة دون الحاجة إلى التحليلات المختبرية أو زرع العينات الماكروبية المسببة للمرض. ويرى البعض أن تقنية النانو ستلعب دورا في استخدام روبوتات النانو الطبية التي يمكن حقنها في الدم أو ابتلاعها لتعالج الجلطات الدموية والأورام والأمراض المستعصية.

الإنتاجية
وأخيراً، يقدّر حجم السلع المصنعة بتقنية النانو بأكثر من 1.6 تريليون دولار أميركي، حصة الولايات المتحدة الأميركية منها 35%، تليها الصين وكوريا الجنوبية والهند والبرازيل وألمانيا وفرنسا.

كما استثمرت الولايات المتحدة في مجال بحوث النانو على امتداد 15 عاما الأخيرة نحو 20 مليار دولار. وسُجلت أكثر من 440 براءة اختراع في الولايات المتحدة، و100 في كوريا الجنوبية، و96 في اليابان، و55 في تايوان، و18 في ألمانيا، و17 في الصين، و12 في فرنسا، و10 في المملكة المتحدة، و9 في الهند، و4 في إيطاليا.

وتصدرت الولايات المتحدة الدول الناشرة للبحوث العلمية في مجال تقنية النانو بواقع 8657 بحثاً، وجاءت الصين في المرتبة الثانية بواقع 6124 بحثاً، واليابان بواقع 3032 بحثاً، وألمانيا بواقع 2581 بحثاً. بينما يقدر الإنتاج للدول العربية قاطبة بـ173 براءة اختراع و4686 بحثاً، مما يدل على قلة الدعم للبحث العلمي وخطورة الوضع الحالي وفي المستقبل ما لم يتم تفاديه.

_____________
* أستاذ جامعي وباحث علمي.

المصدر : الجزيرة