حظيت وسائط تخزين البيانات بتطور كبير خلال العقود الماضية، فمن قدرات تخزينية لا تتعدى بضعة بايتات للوسائط المبتكرة في منتصف القرن الماضي، إلى أقراص صلبة بإمكانيات تخزينية من مرتبة التيرابايت في أيامنا هذه.

وعلى الرغم من التطور الملفت الذي تشهده صناعة التقنيات، لا تَعِد وسائط التخزين المعاصرة بالاحتفاظ بالبيانات لفترات زمنية طويلة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن حوالي 50% من الأقراص الصلبة هي عرضة للتلف بعد ست سنوات من الاستخدام، في حين أن الأقراص المدمجة قد تصمد لعشرة أعوام، بينما تصمد الشرائط الممغنطة لبضعة عقود في حال تخزينها بالشروط المناسبة.

ولتوفير وسائط تخزينية موثوقة، يجري العلماء أبحاثاً متنوعة للاستفادة من الحمض النووي (دي أن أي) واعتماده كوسيلة لتخزين البيانات، مع الإشارة إلى أن الأبحاث في هذا المجال لا تعتبر بالأمر الحديث، حيث أجرى الاتحاد السوفياتي السابق تجارب عدة في هذا الصدد خلال ستينيات القرن الماضي.

وفي عام 2012، كشف العالم "جورج تشرتش" في مقال نشرته مجلة "ساينس" عن نجاح عملية تخزين أحد كتبه على الحمض النووي.

ومن المُمكن تخزين كميات هائلة من المعلومات على الحمض النووي الخاص بالمادة العضوية، فوفقاً للسويسري "روبيرت غراس"، باحث الكيمياء في جامعة "إي تي أتش زيورخ"، يمكن تخزين كافة المعلومات في العالم داخل بضعة غرامات من الـ"دي أن أي"، وهو أمر لا تقدر عليه أي تقنية تخزين أُخرى.

وإن توفرت الشروط المناسبة، يمكن للـ"دي أن أي" أن يصمد لفترات زمنية طويلة، ففي عام 2013 نجح العلماء باستخلاص مجموعة من جينات مستحاثة حصان يقدر عمرها بسبعمائة ألف عام، حيث ألهمت هذه التجربة فريق "غراس" ليعمل على دمج الـ"دي أن أي" في كبسولات من السيلكا، بقطر 150 نانومترا، بغرض حمايته من الرطوبة والأوكسجين وسائر العوامل الخارجية، بعد تخزين المعلومات عليه.

مراكز البيانات السحابية تساعد في إطالة عمر بيانات المستخدمين (غيتي) 

دي أن أي
ويمكن لكبسولة السيلكا تلك الحفاظ على الحمض النووي بداخلها لفترات طويلة، خاصة بعد تطوير الفريق لمادة خاصة تتمتع بقدرات على وقاية الكبسولة من التأثيرات السلبية للضوء.

وتبقى الحرارة أحد أخطر العوامل تأثيرا على المواد الكيميائية والعضوية، حيث أظهرت الاختبارات إمكانية صمود الحمض النووي لألفي عام عند تخزينه في وسط تتراوح حرارته بحدود عشر درجات مئوية، أو لمليوني عام عند التخزين بدرجة حرارة -18.

وكأي وسيلة لتخزين البيانات، لا تخلو هذه الطريقة من الأخطاء، الأمر الذي دفع "رينهارد هيكل" من جامعة "إي تي أتش زيورخ" إلى تطوير مخطط تصحيح أخطاء للبيانات المخزنة على الـ"دي أن أي" استنادا إلى شيفرات "رييد سولومون" المستخدمة بشكل واسع في مجال تصحيح الأخطاء، خاصة عندما يتعلق الأمر بوسائط تخزين البيانات المتنوعة.

وكونها ما تزال ضمن مراحل التطوير والبحث، ونظرا لعدم توفر أدوات تجارية لتخزين البيانات على الـ"دي إن أي" أو لقراءة البيانات المخزنة، فإن تخزين البيانات عليه يعتبر أمرا مكلفا للغاية، حيث يكلف تخزين 83 كيلوبايتا من الوثائق نحو 1500 دولار أميركي.

وفي الواقع، تعتبر التطبيقات التي تتطلب قدرات تخزينية قادرة على الصمود لملايين السنين محدودة نسبيا، خاصة في ظل توفر الخدمات السحابية القادرة على توفير نسخ احتياطية لتأمين المعلومات المهمة، لكن من المرجح أن يتمكن العلماء في المستقبل من توفير إصدارات تجارية تسمح بتخزين المعلومات على الـ"دي أن أي" واستعادتها بتكاليف مقبولة.

المصدر : البوابة العربية للأخبار التقنية