يوسف سيمو

قريبا قد تصبح عبارة "أثبت العلماء أن..." أقل وقعا وسطوة على عقول عامة الناس مما كان عليه الأمر في السابق. فالصورة الوردية التي ترسخت عبر السنين في ذهن المواطن عن نزاهة وزهد العلماء لم تبق بتلك النصاعة بسب تواتر أخبار عن سلوكات غير قويمة لبعضهم يتردد صداها في كل وسائل الإعلام.

وتتخذ هذه السلوكات حسب متابعي الشأن العلمي عدة مظاهر تتأرجح  بين السرقة والتقليد واختلاق المعطيات مرورا بعمليات التجميل التي يقوم بها البعض حتى تكون نتائج تجربته أكثر إثارة.

يضاف إلى هذه اللائحة السوداء ممارسات غير سليمة أبطالها مؤلفون يسطون على مقالات علمية ويوقعونها بأسمائهم دون علم زملائهم المشاركين في إنجازها، ومؤلفون غفل وآخرون يخرجون من عدم إلى جانب مؤلفين تتجول توقيعاتهم بين مقالات لم يساهموا أصلا في تحريرها. كل هذه الممارسات التي بدأت تتكاثر يوما عن يوم أصبحت تهدد صحة الجسم العلمي وتضرب مصداقيته في الصميم.

الجريمة والعقاب
"إيفان أورانسكي" و"أدام ماركيس" الصحفيان المتخصصان في الشؤون العلمية لعدة سنوات وبأكبر الجرائد البريطانية والأميركية، كرسا كل جهدهما حتى لا تبق كل هذه "الجرائم" العلمية دون عقاب.

فقد أنشآ عام 2010 موقعا على الشبكة العنكبوتية أسمياه "ريتراكشين واتش" وكرساه لاقتناص الغشاشين ونشر غسيلهم على صفحاته. وتتلخص مهمة الموقع في رصد كل مقالة تم استدراكها أو سحبها نهائيا من المجلات المُحكمة وإخبار المجتمع العلمي بشأنها وشأن أصحابها أينما كانوا.

بيب بير يتيح انتقال أي مقال علمي دون الكشف عن هوية المنتقد

الموقع الذي يزوره حوالي 150 ألف زائر يتصفحون خمسمئة ألف صفحة شهريا  كان له الفضل بكشف حقيقة كثير من العلماء الغشاشين كان أبرزهم طبيب الإنعاش الياباني "يوشيتاكا فوجي" محطم الأرقام القياسية في عدد المقالات المسحوبة والتي بلغ عددها 172 مقالا.

إلى جانب "رتراكشين واتش" يساهم موقع "بيب بير" في دعم جبهة المراقبة والتصدي للسلوكات العلمية المنحرفة بفتحه باب التعليق على المقالات وانتقادها دون الكشف عن هوية المنتقد. ويلتزم المتدخلون باحترام أخلاقيات المطارحة العلمية والحرص على عدم الانزلاق وراء حملات التشهير والقذف وتصفية الحسابات.

غير أن معرفة الأسباب الكامنة وراء السحب تبقى من الأشياء التي يطالب الكثيرون بها لأن استدراك مقالة علمية وسحبها من التداول لا يرتبط بالضرورة بعملية غش. فقد تكون الأسباب مرتبطة بخطأ في التقدير قد يكون اطلاع باقي الباحثين على حيثياته فرصة لعدم تكراره.  

السلوك المسؤول
هذا ما يجعل "ليكس بوتير" -الأستاذ المحاضر في مناهج البحث والنزاهة بجامعة أمستردام بهولندا- يُهون من بعض الممارسات ويضعها في حجمها الطبيعي. ففي نظره، أن الخطر كل الخطر يكمن في الأبحاث غير الدقيقة وليس فقط في محاولات الغش والتدليس التي يبقى أمر كشفها ميسرا للخبراء.

برأي أليكس بوتير فإن الخطر كل الخطر يكمن في الأبحاث غير الدقيقة وليس فقط في محاولات الغش والتدليس التي يبقى أمر كشفها ميسرا للخبراء

ولفهم أدق لهذه الممارسات يشدد الخبير الهولندي على أن هناك ثلاث محددات وراء سلوك بعض الباحثين غير القويم: أول هذه المحددات يربطها بالمنظومة برمتها، والتي تتميز في رأيه بأجواء المنافسة الشرسة وتصاعد الضغط على الأساتذة الجامعيين وعلى جامعاتهم التي تجبرهم على النشر وبأي ثمن.

أما ثاني المحددات -حسب الخبير الهولندي- فيرتبط بما هو ثقافي ويعني غياب القدوة الحسنة وضعف التأطير وانعدام التكوين في مجال السلوك المسؤول للباحث. ويختم "بوتير" شرحه بالمحدد المتعلق بالفرد نفسه والذي يجد دائما المبرر الضروري لتفسير انحرافاته السلوكية.

هذه القراءة تجد لها صدى في الحل الذي يقترحه رئيس ندوة رؤساء الجامعات الفرنسية "جان-لو سالزمان" والذي يرى أن تقييم الباحث على أساس أحسن خمس مقالات أنتجها قد يفيد البحث العلمي والباحث على السواء.

تبرئة الذمة
"جانيت ستيمويدل" -الأستاذة المحاضرة بجامعة "سان جوزي ستيت يونيفرسيتي" والمتخصصة في فلسفة العلوم- تقترح زاوية مغايرة تماما لمعالجة المشكل. فهي ترى أن وضع آليات أكثر تطورا لرصد مكامن الغش هي فقط إجراءات لتبرئة الذمة حتى لا يشعر أحد بتأنيب الضمير.

وتلاحظ "ستيمويدل" بأسف أن المجتمع العلمي ما زال يشرح الظاهرة ويفسرها بعوامل وظروف فردية واختيارات أشخاص. فالأهم بالنسبة لها هو مواجهة المشكلة الأساسية التي يعانيها العلم اليوم والتي تتلخص في ثقافة "دائما الأسرع".

وتضيف بشيء من التشاؤم الفلسفي أن الغش وُلد من رحم فشل جماعي للمجتمع العلمي وفشل البنيات الاجتماعية التي يضع أقدامه فوقها، لتسأل الجميع ببساطة وعمق سؤال الفيلسوف: ماذا نجازي؟ ماذا نسامح؟ ماذا نعاقب؟

________________
* صحفي مغربي متخصص في الشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة