يوسف سيمو

فاطمة المجريطية، ولبنى القرطبية، اسمان لامرأتين عربيتين من المؤكد أن قليلين من بني جلدتهن يعرفونهن اليوم. فالمجتمعات التي لا تتابع إلا أخبار "النجوم"، سيصعب عليها التعرف على هاتين العالمتين الكبيرتين اللتين كرستا حياتهما لفك أسرار تلك النجوم وهما تراقبانها من شرفات الأندلس نهاية القرن العاشر الميلادي وتوظفان ما اكتسبتاه من مهارات في علوم الفلك والرياضيات.

أما عالمة الرياضيات الإيرانية مريم ميرزاخاني خريجة جامعتي طهران وهارفارد والمحاضرة بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة فكانت أكثر حظا من العالمتين الأندلسيتين، حيث جمعت بين النجومية والعلم بعد أن وقف المجتمع العلمي قاطبة مشدوها أمام تتويجها بجائزة "فيلدز" المخصصة لعلماء الرياضيات المرموقين. وقد جابت صورها العالم كأول امرأة تختطف هذه الجائزة التي احتكرها علماء الرياضيات الرجال منذ إطلاقها سنة 1936.

مع فوز مريم صيف 2014 بهذه الجائزة، لم يكن مستغربا أن يتساءل متتبعو الشأن العلمي إن لم تصبح الطريق معبدة أمام أخريات للتتويج مستقبلا بجوائز عالمية في مجال يعد ذكوريا بامتياز

مريم وأخواتها
مع فوز مريم صيف 2014 بهذه الجائزة، لم يكن مستغربا أن يتساءل متتبعو الشأن العلمي إن لم تصبح الطريق معبدة أمام أخريات للتتويج مستقبلا بجوائز عالمية في مجال يعد ذكوريا بامتياز.

فقبل تتويج مريم بسنتين، صنعت جامعيَّتان فرنسيتان هما "نليني أنانترامان" و"سيلفي سرفاتي" الحدث بحصولهما على جائزة لها أيضا أهميتها عند مجتمع الرياضيين، وهي جائزة العالم الفرنسي المعروف "هنري بوانكاري".

هذا التقدم الهادئ للنساء نحو كسب مساحات مضيئة في رقعة العلوم الرياضية تؤكده مؤشرات أخرى غير الصعود إلى منصات التتويج. فقد تمكنت بعضهن من الفوز بمناصب قيادية في الهيئات العلمية الكبرى، كان أبرزها وصول العالمة البلجيكية "إنغريد دوبيشيز" إلى منصب رئيسة "الاتحاد الدولي للرياضيات" سنة 2011. وهي العالمة الكبيرة التي كان مجرد قبولها للتدريس بجامعة برينستون الأميركية كامرأة محاضرة في الرياضيات يُعد حدثا تاريخيا.

التطور الكيفي لمكانة النساء داخل مجتمع الرياضيين يصطدم بواقع المؤشرات الكمية التي تضع العالمات الرياضيات في حجم أصغر من طموحاتهن

ما وراء التتويج
سيدريك فيلاني الحائز بدوره على جائزة "فيلدز" سنة 2010، يرى أن التطور الكيفي لمكانة النساء داخل مجتمع الرياضيين يصطدم بواقع المؤشرات الكمية التي تضع العالمات الرياضيات في حجم أصغر من طموحاتهن.

ويبسط "فيلاني" إحصائيات تشير إلى تضاؤل نسبة الأستاذات المحاضرات في مجال "الرياضيات الأساسية"، حيث انخفضت نسبتهن بفرنسا حسب فيلاني من 8.7% سنة 1996 إلى 6.7% سنة2012. هذا الانكماش المتواتر تعلق عليه فيرونيك سلوفاتشيك-شوفو رئيسة "جمعية نساء رياضيات"، بقولها إن عدم التفكير في حل له قد يهدد الباحثات في مجال الرياضيات بالانقراض نهائيا.

هذا الواقع تجليه أكثر إحصائيات بعض الدول الأوروبية التي أوردتها مجلة "لا روشيرش" الفرنسية. وتفيد هذه المعطيات بأن نسبة النساء المحاضرات بالجامعات والباحثات في مجال الرياضيات مقابل زملائهن الرجال تبقى متواضعة. حيث تبلغ نسبة هذه العينة من النساء في بريطانيا فقط 18%، وفي ألمانيا 15% و23% في فرنسا، ويسجل الدانمارك أضعفها بـ10%.

إجراء اختبار في الرياضيات لمجموعة من الفتيات دون الذكور يشجعهن أكثر على التفوق على عكس ما إذا وضعن في تنافس مباشر مع هؤلاء

حلول غير رياضية
لتجاوز هذا الوضع بدأت تطرح للنقاش عدة مقترحات ترى في التوجه رأسا نحو المدرسة والتعليم الجامعي الحل الأنسب. وقد نفذ أحد هذه المقترحات منذ 2012 على صعيد بعض دول أوروبا ويتمثل في تنظيم أولمبياد أوروبي للرياضيات خاص بالفتيات.

من جانبه قدر معهد السياسات العمومية الفرنسي بناء على نتائج دراسة له عن مستوى التحصيل في الرياضيات لدى التلاميذ الذكور والإناث أن التمييز الإيجابي لفائدة الفتيات يزيدهن تقدما في التحصيل مقارنة مع الذكور. وخلص المعهد في هذه الدراسة إلى أن إجراء اختبار في الرياضيات لمجموعة من الفتيات دون الذكور يشجعهن أكثر على التفوق على عكس ما إذا وضعن في تنافس مباشر مع هؤلاء.

ولقي هذا المقترح استحسانا من الجمعيات المنافحة عن "النساء الرياضيات" التي تطالب أيضا بتشجيع تمثيلية أكبر للنساء في المؤتمرات العالمية والحلقات العلمية المتخصصة حتى يتمكنَّ من الاحتكاك أكثر بزملائهن الرجال.

وتبقى مسابقة "الأولمبياد الدولية للرياضيات" من الملتقيات المناسبة حسب المختصين لتشجيع الفتيات على إبراز كفاءاتهن وضمان مكانتهن بين علماء الرياضيات.

ولم يكن أحد يتوقع سنة 1995عندما وُشِّحت شابة ترتدي تشادورا أسود بالميدالية الذهبية لهذه المسابقة، ولم يتجاوز عمرها أنذاك 18 ربيعا، أن هذه الفتاة ستكون أول امرأة في التاريخ تحرز جائزة "فيلدز"، هذه الفتاة اسمها مريم ميرزاخاني.
_____________
* صحفي مغربي متخصص في الشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة