فداء ياسر الجندي

عجائب الخلق لا تحصى، ومنها هذا المخلوق العجيب الذي يبصر بأذنيه.
بأذنيه؟ وهل الأذن للسمع أم البصر؟ إذا كانت فائدة البصر هي أن يعين الحيوان على إدراك أبعاد العالم من حوله، وتحديد موقعه منه، ومعرفة أبعاد المكان المحيط به، وحجم وحركة الأشياء بدقة شديدة، والتحرك بحرية في المحيط رغم العوائق والعقبات، إذا كانت هذه فائدة البصر، فإن كل هذه الحاجات يستطيع الخفاش قضاءها بكفاءة عالية، ولكن عن طريق أذنيه، لا عينيه.

آذان الخفاش المدهشة
فكلنا نعلم أن بعض أنواع الخفافيش تعيش في كهوف مظلمة، لا يكاد يصلها أي ضوء، وهذه الأنواع معظمها لا يبصر بعينيه، وإن أبصر فبصره ضعيف، وهو فوق ذلك لا يجديه نفعا في تلك الكهوف المظلمة، ومع ذلك يعيش هذا الخفاش في الظلام الدامس، ويصطاد فرائسه من الحشرات بمهارة في تلك الأجواء المظلمة، فكيف يقوم بذلك؟

لقد جعل الله للخفاش آذانا عجيبة، تشكل مع ملحقاتها ما يشبه جهاز رادار متقدما جدا، بكل شاشاته وملحقاته وحواسيبه وبرمجياته، سبق بعشرات ملايين السنين اختراع الرادار الذي يستخدمه البشر اليوم في المطارات والطائرات والسفن، ذلك أن أذن الخفافيش مزودة بجهاز إلكتروني عجيب، يصدر أصواتا حادة لا يسمعها البشر، وهي ما يسميه العلماء بالتعبير العلمي، أمواجا فوق صوتية.

أذن الخفاش تشكل مع ملحقاتها ما يشبه جهاز رادار متقدما (غيتي)

تخرج الأمواج الفوق الصوتية من الخفاش لتنتشر في محيطه، فإذا اصطدمت بأي جسم أو عائق ارتدت عنه، لتعود إلى أذنيه مرة أخرى، وأذناه تتمتعان بحساسية مرهفة بالغة، تضاهي أدق الأجهزة الإلكترونية الحديثة، فتلتقط الموجات المرتدة، ثم تمررها إلى دماغه، حيث توجد أجهزة إلكترونية أخرى غاية في التعقيد والدقة، تقوم بإجراء معالجة للمعلومات الواردة عبر الأذنين، فتحسب بكفاءة مدهشة الزمن الذي استغرقته الأمواج الفوق الصوتية منذ انطلاقها وحتى عودتها لمصدرها بعد ارتداردها،  فتستنتج من ذلك المسافة التي تفصلها عن الجسم الذي ارتدت عنه، وموقعه منها بالضبط، وحجمه وشكله.

أي يمكن أن نقول إن الخفافيش ترسم في أدمغتها صورة صوتية عن الجسم، يقول العلماء إنها قد لا تختلف كثيرا عن الصورة البصرية التي ترسمها المخلوقات المبصرة للأشكال، بناء على الأشعة الضوئية التي تلتقطها شبكية العين فتحولها إلى نبضات كهربائية يوصلها العصب البصري إلى الدماغ ليصنع منها صورة.

والفرق أن الصورة في دماغ الإنسان مصدرها أمواج ضوئية، وفي دماغ الخفاش أمواج صوتية، وأن الصورة في دماغ الخفاش لا أحد غير الخفاش نفسه يعرف كيف تبدو إذ لم يدخل أحد إلى دماغه، ولكن الذي نعرفه أنها كافية تماما ليكون تصورا دقيقا عن الوسط المحيط به، ومن هنا يشبهها العلماء بالصورة البصرية ويقولون إن الخفاش يبصر بأذنيه.

تزامن دقيق يحمي أذن الخفاش
ولكن لماذا يستخدم الخفاش أمواجا فوق صوتية؟ السبب أن الأمواج تتباعد وتتخامد منذ لحظة انطلاقها، بشكل يشبه تباعد وتخامد الدوائر في المياه عند إلقاء حجر فيها، ، ثم تعود لتتخامد من جديد عند ارتدادها، فإذا لم تكن الأمواج حادة وقوية بما فيه الكفاية عند انطلاقها، فستعود لأذن الخفاش ضعيفة جداً لا تكفي لتقوم أجهزة الدماغ بعملها المطلوب، وهو رسم ما سميناه الصورة الصوتية لما حوله.

ولسائل أن يسأل: إذا كانت أذن الخفاش شديدة الحساسية كما أسلفنا، بحيث تلتقط الأمواج المرتدة بعد تخامدها، فحري بها أن تصاب بالصمم عند انطلاق هذ الموجات في البداية، لأنها تكون آنذاك حادة جدا، فكيف حلت هذه المشكلة؟

إن ما يحدث ههنا أمر مدهش معجز، حيث إن جهاز إطلاق الموجات الصوتية الذي زود الله تعالى به أذني الخفاش، لا يطلقها بشكل مستمر، بل يطلقها على شكل نبضات، لا تقل عن عشر نبضات في الثانية، وفي الوقت نفسه زود الله تعالى أذن الخفاش بعضلات خاصة عجيبة، تقوم بسد أذن الخفاش في اللحظة التي تنطلق بها الموجات، فتحميها من الأذى والصمم، ثم تفتحها في لحظة السكون التالية، فتتمكن من التقاط الأمواج المرتدة وتمريرها للدماغ.

تستطيع الخفافيش بفضل نظامها الصوتي مطاردة واصطياد الحشرات الصغيرة الطائرة كأنها تراها (غيتي)

نظام متابعة الأجسام المتحركة
والامر لا يتوقف عند ذلك، لأن هذا النظام يبلغ من الدقة بحيث يتمكن الخفاش بواسطته أيضا من متابعة الأجسام المتحركة، فقد ذكرنا آنفاً أن نبضات الموجات الصوتية لا تقل عن عشر نبضات في الثانية، ولكن يستطيع الخفاش أن يزيدها إلى مائتي نبضة في الثانية، إذا كان حوله أجسام متحركة، أو إذا كان هو نفسه يتحرك، وهذا يتطلب أن تكون الحواسيب الموجودة في دماغه على قدر هائل من الدقة والكفاءة، بحيث تسجل كل حركة من حوله، من خلال هذا العدد الهائل من النبضات المتتابعة، وبحيث تمكنه من أن يطارد الحشرات الصغيرة الطائرة ويصطادها بكفاءة كأنه يراها.

ولزيادة التأكد من كفاءة النظام الصوتي عند الخفاش، قام العلماء بوضع أسلاك متقاطعة تغطي فراغ أحد الكهوف المظلمة ظلاما تاما، طولا وعرضا، ومن الأعلى للأسفل، فدهشوا عندما لاحظوا أن الخفافيش تتنقل بين الاسلاك في الظلام الحالك بطلاقة وسهولة ويسر كأنها تراها.

ليس هذا فقط، هناك أمر آخر مدهش، وهو أن الواحد من تلك الكهوف قد يحتوي على الآلاف من الخفافيش، وكل منها يستخدم نظام الرادر الخاص به، أي إن كهفاً كهذا سيكون فضاؤه مكتظاً بالموجات التي تطلقها هذه الخفافيش، ومع ذلك يقف العلماء منبهرين مندهشين من قدرة كل خفاش على تمييز موجاته الخاصة به، وعدم اختلاطها بموجات غيره، ولا يعرفون حتى الآن كيف يقوم الخفاش بذلك.

لو تكلمت الخفافيش
لو علمت الخفافيش كيف تبصر الكائنات بعيونها، لتعجبت وتناقلت بين بعضها خبراً مفاده، إن هناك خارج كهوفنا كائنات ضعيفة السمع، ولكن لها أعضاء تسمى عيونا، تقوم بالتقاط أمواج تسمى أمواجا ضوئية، وتحولها لدماغها ليقوم بحسابات دقيقة ينتج عنها صورة للعالم من حولها، تشبه الصورة التي نرسمها في أدمغتنا عن طريق آذاننا.

باختصار شديد، حتى نتخيل ما يحدث في أذن الخفاش، فعلينا أن نتخيل أننا أتينا بأكثر أجهزة الرادار التي صنعها البشر تعقيداً، ثم صغرناه وضغطناه ووضعناه في أذن الخفاش، علماً بأن هذه الجهاز الذي يملكه الخفاش عمره عشرات الملايين من السنين، هو تاريخ ظهور الخفاش الأول على الأرض.

لا يسعنا بعد كل هذا إلا أن نقول "هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه"، صدق الله العظيم.


________________
*كاتب سوري متخصص في الشؤون العلمية والتقنية

المصدر : الجزيرة