يوسف سيمو-الرباط

هل كانت تسريبات المتعاون السابق مع وكالة الأمن القومي الأميركية إدوارد سنودن سنة 2013 نقطة تحول في علاقة المجتمع الدولي بمعاقل الإنترنت العالمي في الولايات المتحدة؟ بكل تأكيد نعم. فالأمر لم يعد يحتاج برهانا حسب الكثيرين، بعد أن انفجرت أدلة التجسس في أذن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي هولاند.

فتسريبات سنودن أكدت الفرضيات التي كان القليلون يجهرون بها، أي تلك العلاقة الملتبسة بين كبريات الشركات التي تدير جُل الخوادم الجذرية (روت سيرفر) والدوائر الأمنية والاستخباراتية الأميركية.

فك الارتباط
لذلك، كان من البديهي أن ترتفع أصوات عدة دول مثل البرازيل والأرجنتين والصين وروسيا وتركيا ومنظمات حقوقية عالمية لتنبه إلى الخطر الذي يشكله استمرار وضع أغلب دول العالم كل معطياتها وبياناتها في سلة واحدة لم تعد مؤتمنة الجانب.

وأمام هدير الأصوات المحتجة، والتي أخذت تكبر كموجة تسونامي عاتية، لم تجد الإدارة الأميركية من سبيل إلا الانحناء لها بإعلانها في مارس/آذار 2014 عن استعدادها للتخلي عن سلطتها على  مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (آيكان)، وهي الجهة الضابطة للإنترنت والمتخصصة في توزيع أسماء المجال والنطاقات.

وقد خرجت هيئة آيكان للوجود سنة 1998 بإيعاز من وزارة التجارة الأميركية كمؤسسة غير ربحية تخضع لقانون ولاية كاليفورنيا، وأوكلت إليها تدبير وظائف وكالة "إيانا" (سلطة أرقام الإنترنت المخصصة) التي كانت تحت إشراف وزارة الدفاع الأميركية.

الهلالي رئيس هيئة مجتمع المستعملين الفرديين بأفريقيا لآيكان (الجزيرة)

صوت من لا صوت له
ولكي تبرهن عن حسن نيتها، أمهلت الإدارة الأميركية مؤسسة آيكان سنة واحدة فقط (حتى الثلاثين من سبتمبر/أيلول 2015) لاقتراح نظام جديد للإشراف على وظائف "إيانا" من خلال مؤسسة أو هيئة دولية تضم بالضرورة المستعملين بكل أطيافهم ولا يكون للحكومات أو لمنظمة الأمم المتحدة أي سيطرة على تدبير شؤونها.

وحتى تتمكن آيكان من ضمان انتقال سلس لحوكمة جديدة للإنترنت تتمتع بأوسع مشاركة لمجتمع المستعملين، فتحت نقاشات عمومية محليا ودوليا.

وتشرف على هذه اللقاءات مجموعة لتنسيق عملية انتقال الإشراف على وظائف "إيانا" حسب المعطيات التي قدمها كل من تيجاني بن جمعة (تونسي) نائب رئيس الهيئة الاستشارية لمستعملي الإنترنت في آيكان، وعزيز الهلالي (مغربي) رئيس هيئة مجتمع المستعملين الفرديين بأفريقيا لآيكان، في لقاء نظم الجمعة 29 مايو/أيار 2015 بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط.

وستمكن هذه الاستشارات -حسب منظمي هذا اللقاء الذي شارك فيه ممثلون عن وزارة التكنولوجيا المغربية وجامعيون وطلبة وباحثون- من إيصال صوت المستعملين الفرادى إلى الأجهزة العليا لآيكان.

وأوضح الخبيران بن جمعة والهلالي أنه في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن آيكان ملزمة بأخذ رأي ومقترحات هذه الفئة المهمة بالاعتبار في أفق بناء أسس جديدة لحوكمة الإنترنت العالمي. لذلك فإن الجميع -وفقا للخبيرين- يسابق الزمن لتقديم مقترحاته حتى يتم تضمينها في التوصيات التي سترفع إلى قمة آيكان التي ستحتضنها الأرجنتين من 21 إلى 25 يونيو/حزيران 2015.

إيساري دعا إلى تحقيق توازن بين طموح المستعملين وإكراه الحكومات وحاجة القطاع الخاص (الجزيرة)

توازن ذكي
ومن ضمن الاقتراحات التي تم تداولها بين المشاركين، سواء في المغرب أو في مختلف اللقاءات التي نظمت عبر العالم، تلك المتعلقة بتمثيل مجتمع المستعملين داخل الأجهزة التقريرية لآيكان.

ويتعلق الأمر بسلطات "المستعملين" في إعفاء أي عضو داخل مجلس الإدارة من طرف الهيئة التمثيلية التي رشحته لهذا المنصب، أو إمكانية رفض الموازنة أو إعادة دراستها حتى بعد المصادقة عليها من طرف مجلس إدارة آيكان إذا كان هناك اعتراض على مضمونها.

كما اقترحت جهات أخرى تمكين "مجموعة المستعملين" من مناقشة قرارات المجلس المتعلقة بتغيير لوائح المنظمة وقوانينها التأسيسية والتي يقتضي أي تعديل لها موافقة هذه الفئة المهمة.

هذا الطموح الجارف الذي يطبع مختلف المقترحات يرى رشيد إيساري الأستاذ الزائر بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط والمتخصص في تكنولوجيا الإعلام، في تصريح للجزيرة نت، أنه قد تترتب عنه آثار يمكن أن تهدد استقرار آيكان، وبالتالي ديمومة الإنترنت.

ويؤكد إيساري -الذي شارك في المؤتمر العالمي الأخير "نت مونديال" بالبرازيل- أنه من الضروري البحث عن صيغ تضمن توازنا ذكيا بين الطموح المشروع للمستعملين وإكراه الحكومات وحاجة القطاع الخاص.

كما شدد على أنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار كون الإنترنت لم تعد فقط شبكة للاتصال، بل أصبحت عصب الحياة المعاصرة التي لا يمكن الاستغناء عنها ولو ثانية.

يشار إلى أن آيكان وضعت رهن إشارة جمهور المستعملين الواسع أكثر من 180 مجموعة عمل تتوزع على 75 دولة فتحت استشارات قُطرية منذ سبتمبر/أيلول 2014 وتنتهي في يونيو/حزيران 2015.

المصدر : الجزيرة