معتز باطر

أتذكر قبل أكثر من 25 عاما أنه عند رؤية أحدهم يمشي شاخصا ببصره نحو الأفق البعيد متحدثا بصوت عال في الشارع ظن أغلب الناس أنه قد يكون مصابا بحالة عقلية أو نفسية. ومضت السنوات وظهر الهاتف الجوال وبدأت الناس تتحدث عبر الهاتف وهي تمشي في الطرقات. في بداية الأمر ومن زاوية مشاهدة معينة، بدا هؤلاء المشاة وكأنهم يتحدثون مع أنفسهم، لكن رغم ذلك لم يخطر ببالنا إطلاق أحكام مجحفة عن حالتهم العقلية أو النفسية.

تطورت التقنية بسرعة بعد العقد الأول من هذا القرن وبدأت الناس تلمس شاشات الهواتف، لا بل أصبحت الأصابع تتفاعل مع الشاشة وفق مفاهيم جديدة مثل السحب والإسقاط، فضلا عن الهز والإمالة. وأطلق على هذا النظام الحوسبي الجديد تسمية الهاتف "الذكي".

لم يعد الناس يمشون ويتحدثون عبر هاتفهم في الشارع وحسب بل باتوا يتسمرون فجأة في مكانهم استجابة لما قد يتفتق عنه هذا الجهاز "الذكي". عرقل البعض حركة المرور، والبعض ذهب للنوم على الرصيف أمام متجر هواتف ليكون الأول في اقتناء أحدث طراز.

بعد ضغط اجتماعي حثيث واتهامات مبطنة من هنا وهناك بالتخلف والتأخر التقني، أجبرت على فراق هاتفي "الغبي" وودعت بضعة آلاف من الدراهم حتى أقتني ذلك الهاتف "الذكي". وكنت قبل ذلك أعتد مدافعا عن موقفي بالقول "هل ينقصني الذكاء حتى أشتري هاتفا ذكيا؟". لكن تلاعبي بالمفردات لم يشفع لي أمام إلحاح نظرائي.

اقتنعت أكثر في اليوم التالي بعد الشراء بأن الهاتف "الذكي" هو مجرد تهجين بين وظائف الحاسوب المحمول والمساعدات الشخصية الرقمية، مع فارق أن تصميمه ربما أصبح أكثر جاذبية من أسلافه. فآثار إبداعات خريجي كليات الفنون الجميلة باتت واضحة على خطوط التصميم "الذكية" التي تمنح هذا الهاتف شكله المتحذلق والانسيابي.

طوابير بانتظار الحصول على "آيفون 6" (رويترز/أرشيف)

دماغ إضافي على الكف
لم يستطع أحد حتى هذا اليوم أن يبرهن أن الهاتف "الذكي" يستطيع مجاراة الذكاء البشري بتعريفاته الواسعة والمتشابكة. لكن ما يثير القلق والتفكر هو أن الاعتماد المكثف على استخدام الأجهزة "الذكية" في الأمور الحياتية مرتبط بظهور بوادر تردي مقومات ذكاء بعض المستخدمين مقارنة بما كانت عليه.

إن تعهيد مستخدم الهاتف "الذكي" لوظيفة الذاكرة في دماغه البشري إلى جهاز محمول يعني أن الذاكرة البشرية لم تعد تتلقى نفس القدر من التمرين، كما كان قبل عقود من حفظ وتدوين بالقلم والورقة. فهل ينذر هذا بضمور تدريجي في وظيفة الذاكرة الدماغية على المدى البعيد؟

تشتت الانتباه وتدني جودة المعرفة
خلص استبيان وجهته مؤسسة "بيو" الأميركية  لمعلمين عام 2012 بهدف قياس مدى تأثير استخدام التقنيات الرقمية في التعليم إلى كثير من الملاحظات الإيجابية حول أداء الطلاب الأكاديمي، لكن نسبة 87% من المعلمين تحدثوا أيضا عن ظهور "جيل مصاب بالذهول مع قصور في مدى الانتباه لديه". وحافظ 64% من المستطلعين على رأي أن التقنيات الرقمية "تشتت انتباه التلاميذ أكثر مما تفيدهم أكاديميا". 

وفي حين أثنى المعلمون على دور التقنيات الرقمية في رفع مستوى استقلالية التلميذ عند إجرائه البحث العلمي، فإنهم انتقدوا كثرة الاعتماد على محركات البحث لاستنتاج المعلومة، ومواجهة الطلاب لصعوبات في الحكم على جودة ومصداقية المعلومات المنشورة على الإنترنت، ناهيك عن تلاشي مهاراتهم في التفكير الناقد واستسهالهم النقل عن أعمال غيرهم.

أظهرت دراسة وجود صلة بين الاستخدام الكثيف للهاتف الذكي والذكاء المنخفض (أسوشيتد برس)

الهواتف "الذكية" والكسل الفكري
إن تقديم إجابة أو حل سريع لمشكلة ما هي ميزة الأشخاص الذين يتمتعون بالذكاء الحدسي. وقد أظهرت ورقة بحثية نشرها باحثون بجامعة "واترلو" الكندية مطلع هذا العام أن الأشخاص الحدسيين يميلون أكثر إلى استخدام وظيفة محرك بحث الإنترنت في هواتفهم الذكية عوضا عن اعتمادهم على قدراتهم العقلية بغية إيجاد حلول أو أجوبة للمعضلات، ويقابلهم على النقيض أصحاب الذكاء التحليلي الذين لم يعتمدوا على هواتفهم "الذكية" في التوصل إلى حلول.

وقال ناثانيل بار، أحد الباحثين بهذه الدراسة "كشفت عقود من البحث عن أن البشر تواقون لتفادي بذل جهد في حل المعضلات، ويبدو أن استخدام الناس لهاتفهم الذكي وكأنه دماغ خارجي معد للارتفاع".

ويضيف باحث مشارك بالقول "يظهر البحث سندا لقيام صلة بين الاستخدام الكثيف للهاتف الذكي والذكاء المنخفض. لكن إذا ما كانت الهواتف الذكية تؤدي إلى انخفاض الذكاء، فهذا سؤال يبقى قائما ويستدعي البحث مستقبلا".

استنادا إلى هاتين القراءتين يمكن القول إن الهاتف "الذكي" بريء من تهمة إسباغ الذكاء على حامليه. إذ يبدو أن الكثير من الناس استسهلوا ما يقدمه هاتفهم لهم من خدمات، ولم يعد هناك محاكمة صارمة لما هو صحيح/خاطئ، ذكي/غبي، دقيق/معمم، إبداعي/مقولب، ولما بين تلك الأضداد من درجات.

فمنا من أصبح يتعرض لأحكام مسبقة بسبب الهاتف الذي يحمله، ومنا من استسلم لهذا العالم الافتراضي المزين بالألوان الزاهية التي تهرب بالفرد بعيدًا عن الواقع، وآخر أصيب بحالة انبهار بتلك التقنيات فاستقبلها فاتحا لها جيبه وعقله من دون حساب لعله يصيب من الذكاء شيئا، ناهيك عن خروج جيل كامل بدأ جزء مهم منه يفقد أبسط مقومات الذكاء الاجتماعي والعاطفي بسبب هذا العالم "الذكي" الذي أصبح فيه ممكنا "حذف" شخص كامل من قائمة الأصدقاء.

تحاول البشرية دائما تطويع التقنية لتحقيق الفائدة، لكن ما يمكن رؤيته في كثير من الأحيان هو أن تلك الأشياء التقنية تنجح -لو جاز التعبير- في تطويعنا نحن.

______________
* صحفي ومبرمج سوري ينشر في مجلات تقنية واقتصادية ويعمل في مجال التطويع المحلي للتقنيات التطبيقية والطبية.

المصدر : الجزيرة