*فداء ياسر الجندي

نتابع في هذا المقال ما انقطع من حديثنا في المقال السابق عن الدقة المذهلة والضبط المدهش للقوى الفيزيائية الأربع التي تتحكم بكافة أجرام الكون، من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، فنقول وبالله التوفيق:

يجمع علماء الفيزياء على أن مقدار كل قوة من القوى الكونية الأربع التي بسطنا القول في وصفها، وكذلك نسبة كل منها إلى القوى الأخرى محسوبة ومضبوطة بدقة دونها موازين الذهب، ولو اختلفت قيمة أي من هذه القوى أو اختلفت النسب بينها لما استقر الكون، بل لما تشكلت الذرات والمادة أصلا.

ولو شبهنا الكون وما يجري فيه بساعة لها أربعة تروس، فإن تروس الكون هي هذه القوى الأربع، ولو اختلف قطر أي ترس في تلك الساعة أو تغيرت نسبته إلى التروس الأخرى لاختلف التوقيت، أو لتفككت الساعة ولتوقفت عن الحركة تماماً.

لو كانت الجاذبية أكبر من قيمتها الحالية، لانجذبت الكواكب في المجموعة الشمسية إلى الشمس فابتلعتها، ولتحولت النجوم العملاقة إلى ثقوب سود تلتهم ما حولها من الأجرام السماوية

قوة الجاذبية:
لو كانت الجاذبية أكبر من قيمتها الحالية، لانجذبت الكواكب في المجموعة الشمسية إلى الشمس فابتلعتها، ولتحولت النجوم العملاقة إلى ثقوب سود تلتهم ما حولها من الأجرام السماوية، ولأصبحت حركة الكائنات والأجسام على الأرض صعبة للغاية إن لم تكن مستحيلة (هذا إن وجدت حياة).

أما لو كانت الجاذبية أصغر لتفلتت الأرض من مدارها حول الشمس، وانطلقت في الكون الفسيح، ولما حصلت من الشمس إذن على الطاقة التي تقوم بها الحياة، ولما تمكنت الأرض من الاحتفاظ بغلافها الجوي الذي لولاه لا تكون حياة.

القوة الكهرومغناطيسية:
لو كانت هذه القوة أكبر لانجذبت الإلكترونات التي تدور حول نواة الذرة إلى النواة والتصقت بها، وعندها يستحيل اتحاد الذرات لتكوين الجزيئات الكيميائية، ولو أنها كانت أقل قوة من وضعها الحالي لما ثبتت الإلكترونات في مداراتها ولابتعدت عن النواة ولأصبح لدينا ذرات بلا إلكترونات، وبالتالي لاستحال قيام أي تفاعل كيميائي، وفي الحالتين لاستحال وجود حياة.

هذا على المستوى الذري، أما على المستوى الكوني، فيقول العلماء إن القوة الكهرومغناطيسية مضبوطة بحيث لو حدث فيها أي تغير لأحدث ذلك تغييرا في خصائص الضوء الذي ترسله الشمس إلى الأرض، ولما أمكن حدوث التركيب الضوئي اللازم للحياة، ولأدى ذلك أيضاً إلى أن يتجرد الماء من خصائصه التي تجعله مركباً أساسياً لأي خلية حية، وهذه الحقائق وغيرها مما ورد وسيرد لاحقاً هي حقائق مثبتة ومبرهنة علميا، ليس هنا موضع برهانها، وإنما يهمنا نتائجها.

لو انخفض مقدار هذه القوة قليلاً لاستحال نشوء الحياة على الأرض، لأن البروتونات لن تستطيع أن تتماسك لتشكل العناصر المختلفة، ولكان لدينا في الكون عنصر واحد هو الهيدروجين

القوة النووية الكبرى:
لو انخفض مقدار هذه القوة قليلاً لاستحال نشوء الحياة على الأرض، لأن البروتونات لن تستطيع أن تتماسك بواسطة هذه القوة لتشكل العناصر المختلفة، ولكان لدينا في الكون عنصر واحد هو الهيدروجين، لأنه يحتوي على بروتون واحد فقط.

أما لو كانت هذه القوة أكبر قليلاً من قيمتها الحالية لما أمكن تشكل العناصر الخفيفة، مثل الهيدروجين الذي يحتوي على بروتون واحد، ولما وجدنا في الكون إلا العناصر الثقيلة لأن البروتونات ستجذب بعضها بعضاً ولن تتيح للهيدروجين أن يتشكل. والهيدروحين كما هو معروف هو الوقود الذي تستخدمه الشمس في إنتاج الطاقة التي ترسلها حولها في النظام الشمسي.

القوة النووية الصغرى:
لو كانت هذه القوة أكبر قليلاً لتحللت النيوترونات في الكون، وأصبحت قليلة جداً، ولما أمكن أن تتشكل ذرات الهليوم، التي تحوي كل منها على اثنين من النيوترونات، وغياب الهليوم عن مكونات النجوم معناه -كما يقول علماء الفيزياء- عدم إمكانية تشكل العناصر الثقيلة في النجوم، والتي تنتشر بعد ذلك في الفضاء لتدخل في تشكيل الكواكب، أما لو انعكس الأمر فكانت القوة النووية الصغرى أقل قليلاً، لزادت كمية العناصر الثقيلة التي تتشكل في النجوم بشكل هائل يستحيل معه نشوء الحياة، كما يقول العلماء.

بما أن كل جسم وذرة وجسيم من مكونات الذرة يخضع في الوقت نفسه إلى هذه القوى مجتمعة، فقد وجد العلماء أن نسبة كل منها إلى أخواتها مضبوطة بشكل مذهل، وأن أي اختلاف في هذا التناسب بينها سيؤدي إلى اختلال الكون

القوى الأربع ودقة تناسبها مع بعضها:
ما سبق كان عن ضبط القوى المدهش كل على حدة، ولكن بما أن كل جسم وذرة وجسيم من مكونات الذرة يخضع في الوقت نفسه إلى هذه القوى مجتمعة، فقد وجد العلماء أن نسبة كل منها إلى أخواتها، والتي أتينا على ذكرها في مقالنا السابق، مضبوطة بشكل مذهل، وأن أي اختلاف في هذا التناسب المذهل بينها سيؤدي (وبلا مبالغة) إلى اختلال الكون، ومن ثم استحالة نشوء الحياة على الأرض، وهاكم بعض الأمثلة:

ذكرنا أن القوة النووية الكبرى أكبر من قوة الجاذبية بمقدار عشرة مرفوعة للقوة 38، ولو أن هذه النسبة نقصت بمقدار واحد إلى ألف بليون بليون بليون، فإن ذلك سيؤدي إلى أن كويكباً صغيرا قطره عشرات الأمتار، ستكون جاذبيته أكثر من جاذبية الأرض بمئات المرات، ولن تتمكن آنذاك أية مخلوقات أكبر من الحشرات من الحياة على الأرض، لأن جاذبية الأرض القوية ستسحقها، وحتى الحشرات فإن أرجلها الرفيعة لن تقوى على حملها، ولو عاشت نظرياً فإنها تحتاج لأرجل ثخينة جدا لتتمكن من حملها.

ويقول علماء الفيزياء إن النسبة بين القوة النووية الكبرى والقوة الكهرومغناطيسية لو اختلفت زيادة أو نقصاً بمقدار ضئيل جداً لا يتجاوز واحدا مقسوما على عشرة مرفوعة للقوة 16 لما تكونت الذرات، وبالتالي لما تكونت النجوم.

ويقول العلماء أيضاً إن النسبة بين القوة الكهرومغناطيسية وقوة الجاذبية لو ازدادت بمقدار واحد مقسوم على 10 مرفوعة للقوة 40 لما تشكلت إلا النجوم الصغيرة، ولو نقصت هذه النسبة بالمقدار نفسه لما تشكلت إلا النجوم العملاقة، أما النسبة الحالية فهي كفيلة بتشكيل كلا النوعين من النجوم: العملاقة والصغيرة.

ولا بد لاستقرار الكون ووجوده على الصورة التي نعرفها ومن ثم وجود حياة على الأرض، لا بد لكل ذلك من وجود كلا النوعين من النجوم، فالعملاقة يتم داخلها تشكيل العناصر المعروفة في الطبيعة، مثل المعادن والغازات، ومن ثم نشرها في أرجاء الكون لتكوين الكواكب، ولكنها لا تصلح لتكوين أنظمة شبيهة بنظامنا الشمسي لشدة توهجها وطاقتها الهائلة، أما النجوم الصغيرة فهي تصلح لتكوين أنظمة كنظامنا الشمسي، لأن طاقتها مستقرة، ترسلها مع أشعتها بشكل مستمر وعلى مدى دهور سحيقة لتضمن استمرار الحياة في حال وجودها، وهذا ما تفعله شمسنا، وهي نجم صغير نسبياً، بأرضنا.

خلاصة القول:
إن بيت القصيد في حديثنا عن القوى الأربع ومقاديرها أن كل ذرة في الكون، بل كل مكون من مكونات كل ذرة، واقع تحت تأثير هذه القوى الأربع، بشكل موزون مضبوط، لو اختلت قيمه أو نسبه لاختل الكون، ولما كان على صورته التي نعرفها اليوم، ولما أمكن وجود حياة على الأرض، علماً أن ما ذكرناه  ليس إلا غيضاً من فيض، مما يتسع له المقام.

ويعتقد العلماء أنهم سيصلون يوما ما إلى معادلة واحدة شاملة تجمع هذه القوى، لأنهم موقنون بأن هذا التناسب الدقيق بينها لا بد أنه ناتج عن كونها مترابطة بشكل ما، ويتوقعون أن اكتشاف هذه المعادلة لو حصل سيهديهم إلى تفسير هذه الدقة المدهشة ويحل لهم الكثير مما خفي عليهم من ألغاز كوننا العظيم، الذي يحكي تصميماً مدهشاً معجزاً، لا يسع المؤمن أمام إعجازه إلا أن يسبح بحمد الخلاق العليم، الذي يقول في كتابه الكريم "وخلق كل شيء فقدره تقديراً".


______________
* كاتب وباحث ومترجم سوري في تقنية المعلومات

المصدر : الجزيرة