يوسف سيمو

لا يكاد يمرّ أسبوع واحد أو أقل دون بلاغ رسمي بتحرك الأرض تحت أقدام المغاربة حتى أضحت معه الهزات الأرضية هي الواقع وليس الاستثناء.

فالإحصائيات الرسمية لـ"المعهد الوطني للجيوفيزياء" التابع للمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، المختص برصد وتتبع الزلازل، تؤكد بجلاء أن الزلزال لم يعد ظاهرة استثنائية، بل ظاهرة يومية في بعض مناطق المغرب حيث إن أجهزة الاستشعار والرصد لهذا المركز الموجود في "مدينة العرفان" الجامعية وسط العاصمة الرباط والذي أنشئ عام 1985، سجلت حوالي 2200 هزة خلال عام 2014، منها أكثر من 141 هزة تراوحت درجاتها بين 3 و4 درجات على مقياس ريختر و15 هزة أرضية وصلت قوتها ما بين 5 و6 درجات.

وقد عرف شهر أكتوبر/تشرين الأول من السنة نفسها أكبر عدد من الهزات مسجلا 306 هزات مقابل 51 خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني كمعدل أدنى.

إن وجود المغرب في بؤرة جيولوجية مفصلية لصفيحتين هما الأفريقية والأوروآسيوية تجعله بالضرورة في مركز الاهتزازات الناجمة عن تقارب هذه الصفائح المتحركة

وتتوزع أهم هذه الهزات بين شمال المغرب بمنطقة الحسيمة الجبلية المطلة على البحر المتوسط، ووسط المغرب فوق جبال الأطلس المتوسط بمدن أزيلال وبني ملال وخنيفرة، ثم الجنوب بمنطقة أغادير الشاطئية المطلة على المحيط الأطلسي.

إن وجود المغرب في بؤرة جيولوجية مفصلية لصفيحتين هما الأفريقية والأوروآسيوية تجعله بالضرورة في مركز الاهتزازات الناجمة عن تقارب هذه الصفائح المتحركة. ويؤكد الخبير الفرنسي بالمعهد الوطني لمراقبة الزلازل بستراسبورغ (شرق فرنسا) ميشيل كريني هذا المعطى بكون المنطقة المغاربية في مجملها تحتضن 90% من النشاط الزلزالي الذي يعرفه العالم كل سنة.

كيفية رصد الزلازل
التتبع الدقيق والحي على مدار الساعة لحركات وسكنات باطن الأرض بالمغرب يقوم به مهندسو وفنيو المعهد الوطني للجيوفيزياء بفضل البنيات والأجهزة التقنية المتطورة التي وضعها المركز منذ سنين والتي مكنت المغرب من التوفر على شبكة وطنية للرصد الزلزالي والإنذار.

وتتألف هذه الشبكة من شبكة أخرى للرصد من الجيل التكنولوجي الجديد "في-سات"، ترسل المعطيات عبر الأقمار الصناعية إلى المركز بالرباط، هذا بالإضافة إلى المحطات الثلاثين التي تبث على موجات الراديو وخطوط هاتف متخصصة ومؤمنة كل المعطيات "الزلزالية".

وقد تكفل خبراء "المعهد الوطني للجيوفيزياء" منذ عام 2009 بتثبيت هذه الأجهزة في خمسين محطة عبر كافة التراب المغربي حيث تقوم بالإشعار المباشر بأدنى تحرك للأرض في أي نقطة من المغرب وبالهزات التي قد تعرفها المناطق المتاخمة للحدود المغربية مع إسبانيا والجزائر وموريتانيا.

يمتلك المعهد الوطني للجيوفيزياء "شبكة محطات رصد الحركات القوية" تبلغ حاليا 50 محطة توجد في مواقع المنشآت الكبرى والإستراتيجية

ويمتلك المعهد أيضا "شبكة محطات رصد الحركات القوية" تبلغ حاليا 50 محطة توجد في مواقع المنشآت الكبرى والإستراتيجية كالسدود والموانئ والمطارات والقناطر الكبرى والأنفاق ومحطات توليد الكهرباء.

لكن هل يتوفر المغرب على برنامج خاص للتدخل عند وقوع الزلازل؟ سؤال لا يمكن للمعهد أن يجيب عنه، حسب رأي المتخصص في علم الزلازل والمسؤول بالمعهد الدكتور عمر بن براهيم، بل يجب طرحه على الجهات المسؤولة عن الوقاية المدنية (الدفاع المدني).

ويوضح بن براهيم للجزيرة نت أن "دور المعهد هو علمي وتقني وينحصر في وضع المعلومة الدقيقة رهن إشارة كل الجهات المعنية بأمن وسلامة الوطن والمواطنين ورهن العلماء ومراكز البحث داخل وخارج المغرب".

ويضيف أن طبيعة تدخل مهندسي المعهد تتحدد في "التدخل التقني السريع وإعداد تقارير سيزمية (زلزالية) عاجلة في حالة الطوارئ، وإنجاز مهمات ميدانية عاجلة عقب حدوث نشاط زلزالي طارئ بإحدى مناطق البلاد قصد تتبع تطور الأزمات الزلزالية، بالإضافة إلى تمكين الجهات المعنية بالبنيات التحتية والمشاريع السكنية من خرائط زلزالية لمعرفة طبيعة الأرض التي ستقام عليها المشاريع وبالتالي نوعية البناء ومتطلباته".

وبخصوص الكوارث المرتبطة بالزلازل ونوعية تدخل المعهد، يسوق بن براهيم مثال ما حصل أثناء الزلزال الذي ضرب منطقة الحسيمة عام 2004 والذي بلغت قوته 6.3 درجات على مقياس ريختر، حيث حرص المعهد الوطني للجيوفيزياء على نشر شبكة من المحطات المحمولة لرصد الهزات الارتدادية التي تتلو عادة الهزات الزلزالية القوية والتي مكنت من تتبع الوضع عن كثب وإصدار نشرات إنذارية مباشرة حتى يبقى السكان في منأى عن المباني والمنشآت المهددة.

ويشمل دور المعهد أيضا، ومنذ بضع سنوات، رصد مستوى سطح البحر من خلال أجهزة قياس المد والجزر تحسبا لموجات المد البحري (تسونامي) التي تعقب الزلازل القوية ليتم إنذار الجهات المختصة حتى تتخذ الإجراءات الاحترازية الضرورية وإجلاء السواحل المهددة في الوقت المناسب.

على مدى تاريخه الطويل، عرف المغرب ليس فقط سلسلة من الزلازل ولكن أيضا موجات تسونامي كبيرة تراوح علوها -حسب المؤرخين- بين 5 و10 أمتار

توثيق إلكتروني
وللإشارة، فعلى مدى تاريخه الطويل، عرف المغرب ليس فقط سلسلة من الزلازل ولكن أيضا موجات تسونامي كبيرة تراوح علوها -حسب المؤرخين- بين 5 و10 أمتار غمرت مناطق ساحلية امتدت من العرائش شمال المغرب إلى منطقة الصويرة الساحلية جنوبا بعد زلزال لشبونة البرتغالية عام 1755 الذي ذهب ضحيته 100 ألف شخص في ظرف تسعة دقائق.

ومن بين الزلازل المدمرة التي بصمت تاريخ المغرب والتي قد تكون فاقت قوتها 6.5 درجات على مقياس ريختر بسبب ما خلفته من أضرار، زلزال مدينة العرائش عام 1276، وزلزال مدينة فاس خلال سنوات 1522 و1624 و1755 و1773، ومدينة مراكش عام 1719، وطنجة عام 1773، وغيرها من المدن.

وكان أخرها زلزال أغادير عام 1960 المدينة التي دمرت بالكامل وأعاد بنائها الملك الراحل محمد الخامس، وأخيرا زلزال الحسيمة عام 2004، الذي أودى بحياة أكثر من 900 شخص وشرّد 51 ألفا من سكان المنطقة. 

اليوم، وحتى تكون للزلازل ذاكرة علمية موثقة، يقوم فنيو المعهد الوطني للجيوفيزياء بأرشفة التاريخ الحديث للزلازل بالمغرب وذلك بتوظيف المسح الضوئي والأرشفة الإلكترونية للتسجيلات الزلزالية للمعهد قبل عام 1991 وتوثيق المعطيات الزلزالية لفترة ما بين 1990 و2010.


____________
* صحفي مغربي متخصص في الشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة