د. وحيد محمد مفضل*

تعتبر الثروة المعدنية عنصرا هاما من عناصر الدخل القومي، وإحدى الدعامات الأساسية التي ترتكز عليها الدول والكيانات الاقتصادية الكبرى في تطوير صناعتها وتنميتها اقتصاديا. فدولة مثل الصين مثلا يعتمد جزء كبير من اقتصادها على تصدير العناصر الأرضية النادرة، التي تعتبر أحد أهم المكونات في المنتجات والصناعات التكنولوجية العالية، مثل الألياف الضوئية والشرائح الإلكترونية والمصابيح الموفرة للطاقة والسيارات الهجينة، وغيرها.

ونظرا لتزايد الطلب المحلي على هذه العناصر، فقد اضطرت الصين خلال السنوات السابقة لخفض صادراتها العالمية بنسبة كبيرة، مما تسبب في حدوث اضطراب عالمي في سوق هذه المعادن، نتيجة نقص المعروض وزيادة أسعاره بشكل كبير.

ويتطلب استخراج العناصر الأرضية النادرة تكنولوجيا متقدمة في التنقيب واستثمارات مالية كبيرة جدا، وهذا بسبب صعوبة استخراجها واستخلاصها من خاماتها الطبيعية. وعلى النقيض من ذلك، هناك ثروات معدنية أخرى عديدة يمكن التنقيب عنها بسهولة، ولا يتطلب استخراجها تكنولوجيا معقدة أو إمكانيات مالية كبيرة، نظرا لانتشارها في مواقع كثيرة، وسهولة فصلها عن الخامات والرواسب الموجودة فيها.

وتعتبر المعادن الثقيلة أبلغ مثال على هذا، حيث عادة ما تتواجد هذه المعادن ضمن رمال الشواطئ بتركيزات متفاوتة، كما تتواجد في الرمال المكونة للكثبان الرملية الساحلية والمناطق الشاطئية القريبة من مصبات الأنهار الكبرى أو المتاخمة للجبال المكونة من الصخرية النارية والقاعدية.

انتشار هذه المعادن بكثافة في رمال الشواطئ البحرية والنهرية عادة ما يكسبها لونا أسود قاتما، ومن هنا فقد اصطلح على الرمال الغنية بهذه النوعية من المعادن اسم الرمال السوداء

المعادن الثقيلة
تتكون المعادن الثقيلة من مجموعة كبيرة من المعادن ذات الكثافة النوعية العالية مما يزيد ثقلها النوعي عن 2.89 غرام/سم3، مثل معادن الزيركون والغارنت والألمنيت والماغنتيت والروتيل والمونازيت والليكوكزين والكاسيتريت، وأخيرا الذهب الذي تصل كثافته النوعية إلى 18 غرام/سم3. وهذا هو السبب الأساسي في تسمية هذه النوعية من المعادن بالمعادن الثقيلة، التي عادة ما تكون غنية بأكاسيد الحديد والتيتانيوم والزركونيوم والعناصر الأرضية النادرة.

أما المعادن التي يقل وزنها أو ثقلها النوعي عن 2.89 فتسمى بالمعادن الخفيفة، ويعتبر الكوارتز من أشهر معادن هذه المجموعة ومن أكثرها انتشارا على وجه البسيطة. وبطبيعة الحال فإن أهمية المعادن الخفيفة وقيمتها الاقتصادية تقل كثيرا عن المعادن الثقيلة، وإن ظل لها استخدامات ومنافع عديدة، كما في حالة الكوارتز الذي يدخل في صناعة الزجاج وأحجار الساعات.

وتتميز أغلب المعادن المكونة لمجموعة المعادن الثقيلة بلونها الأسود الداكن، وهذا بسبب ارتفاع نسبة أكاسيد الحديد والتيتانيوم فيها، لذا فإن انتشار هذه المعادن بكثافة في رمال الشواطئ البحرية والنهرية عادة ما يكسبها لونا أسود قاتما. ومن هنا فقد اصطلح على الرمال الغنية بهذه النوعية من المعادن اسم الرمال السوداء.

وتنشأ الرمال السوداء نتيجة عمليات "التجوية" الطبيعية التي تقوم بتعرية وتفتيت المعادن الموجودة في الهضاب المرتفعة وصخور الجبال القاعدية، حيث تقوم بعد ذلك عوامل النقل المختلفة مثل الرياح والتيارات المائية في الأنهار والبحار بنقلها لمسافات بعيدة جدا من موضعها الأصلي بهذه الجبال إلى أماكن ترسيبية جديدة، لتستقر في النهاية على ضفاف الشواطئ وعند المصبات النهرية وغيرها، على بعد آلاف الكيلومترات من الصخور الأم.

وبوصول هذه المعادن إلى مصبات الأنهار والسواحل البحرية، تقوم الأمواج والتيارات الساحلية بعد ذلك بفرزها وتصنيفها طبيعيا تبعا لثقلها وكثافتها النوعية وإعادة نقلها وترسيبها إلى أماكن ساحلية جديدة، حيث تترسب المعادن الثقيلة التي عادة ما تكون سوداء اللون على ضفاف الشواطئ، في حين تنقل أنواع المعادن الأخرى الخفيفة إلى داخل البحر.

تعتبر الولايات المتحدة الأميركية والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وأستراليا ومصر، من أكثر الدول ثراء بالرمال السوداء والرواسب المحتوية على المعادن الثقيلة

أهمية الرمال السوداء
تتميز الرمال السوداء بقيمة اقتصادية وتعدينية مرتفعة جداً، وهذا بسب غناها بالمعادن الاقتصادية والعناصر المعدنية النادرة. فمعدن الألمنيت يعد مصدراً لإنتاج معدن التيتانيوم الذي يستخدم في صناعة هياكل الطائرات والصواريخ، ويعد معدن الماغنتيت مصدرا لخامات الحديد، أما الروتيل فيستغل كخامة أساسية في صناعة الأصباغ ومواد اللحام، كما يستغل معدن "الزيركون" في عمليات تزجيج السيراميك، في حين يستخدم معدن الغارنت في صناعة مواد الصنفرة، أما المونازيت فيحتوي على بعض العناصر الأرضية النادرة، كما يعتبر مصدرا لعنصر الثوريوم وهو من العناصر المشعة.

ونظرا لأهمية هذه المعادن واستخدامها في صناعات وتطبيقات عديدة، فإن أسعارها العالمية باتت في ارتفاع مستمر، حتى بلغ سعر الطن الواحد من معدن الزيركون 800 دولار، والروتيل 500 دولار والليكوكزين 400 دولار، مما يوضح أهمية التنقيب عن هذه المعادن واستخراجها من الرواسب الشاطئية والبحرية الحاملة لها.

وللمعادن الثقيلة أهمية علمية أيضا، حيث يمكن الاستفادة منها في بعض التطبيقات والدراسات الأكاديمية، مثل تحديد نمط وطبيعة حركة الرسوبيات في المناطق البحرية القريبة من الشاطئ، وتحديد نوعية الأقاليم الجيولوجية والصخور الأم المستمدة منها هذه الرسوبيات، ومضاهاة الطبقات الجيولوجية الرسوبية المختلفة، وغيرها من التطبيقات الأكاديمية الفريدة.

وتعتبر الولايات المتحدة الأميركية والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وأستراليا ومصر، من أكثر الدول ثراء بالرمال السوداء والرواسب المحتوية على المعادن الثقيلة، وإن تعثر استغلال هذه الرمال بشكل اقتصادي في مصر، خلافا للهند والبرازيل وبقية الدول المذكورة.

يقدر الاحتياطي التعديني المؤكد من هذه الرمال في مصر بحوالي مليار ومائة مليون متر مكعب، يبلغ متوسط تركيز المعادن الثقيلة فيها حوالي 3%، ليعد بذلك أكبر احتياطي على مستوى العالم

الرمال السوداء على شواطئنا العربية
تمتد الشواطئ العربية -كما هو معلوم- لأكثر من عشرين ألف كيلومتر على البحرين الأبيض والأحمر والخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب، ويحد قطاعا كبيرا منها جبال قاعدية وتلال رسوبية مترامية الارتفاع ومختلفة الألوان، مما يعكس تنوعا كبير في البنية الصخرية وأصل النشأة والتكوين المعدني.

لذا فإن من الطبيعي مع كل هذا الامتداد أن تحظى أجزاء وقطاعات طويلة من هذه الشواطئ بتركيزات عالية من ركاز المعادن الثقيلة والرمال السوداء، وإن ظل الأمر لا يقارن مهما كان بحال شواطئ جنوب أفريقيا وأستراليا والهند التي تعتبر الأكثر ثراء على مستوى العالم بهذه الرمال.

وتعتبر مصر والسعودية واليمن وعُمان والمغرب أكثر الدول العربية ثراء بالرمال السوداء، حيث يتكرر ظهور رواسب هذه الرمال فيها في عدة مناطق ساحلية متفرقة بالبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وخليج عُمان وبحر العرب.

ولقد حبا الله مصر بكميات هائلة واحتياطي ضخم من الرمال السوداء، يفوق كثيرا ما هو متاح في بقية الدول العربية، حيث يقدر الاحتياطي التعديني المؤكد من هذه الرمال بحوالي مليار ومائة مليون متر مكعب، يبلغ متوسط تركيز المعادن الثقيلة فيها حوالي 3%، ليعد بذلك أكبر احتياطي على مستوى العالم، بحسب إحدى الدراسات.

وتتركز هذه الرمال بصفة أساسية أمام سواحل دلتا النيل على الشواطئ الواقعة على جانبي مصبي فرعي رشيد ودمياط‏،‏ وفي الكثبان الرملية الساحلية، خاصة في منطقة البرلس وورشيد. كما تتواجد هذه الرمال بكثافة في المنطقة الشاطئية الواقعة شرق بحيرة البردويل بشمال سيناء.

ويعتبر نهر النيل هو المصدر الرئيسي لهذه المعادن، حيث ساهم النهر الخالد وفروعه الحالية والقديمة عبر آلاف السنين وحتى بناء السد العالي بنقل كميات كبيرة من هذه المعادن من موضعها الأصلي بالهضبة الإثيوبية مع رواسب الفيضان الموسمي إلى سواحل الدلتا بمصر.

لكن وعلى الرغم من وجود تلك الثروة الهائلة، فإنه لم يمكن حتى الآن الاستفادة منها واستغلالها بشكل اقتصادي متكامل، حيث تم تأسيس شركة خاصة في الأربعينيات لتحقيق هذا الغرض، قبل تأميمها في العام ‏1961‏‏. ولقد استمر نشاط هذه الشركة في جمع الرمال السوداء من على الشواطئ المصرية عند فرع رشيد ثم استخراج المعادن الثقيلة منها بعد إجراء عمليات الفصل والتركيز اللازمة، حتى تمت تصفية أعمال الشركة في نهاية الستينيات، لأسباب غير معلومة أو محددة.

ومنذ ذلك الحين جرت أكثر من محاولة لإحياء هذا النشاط، بيد أنه لم يكتب لأي منها النجاح. لكن المحاولات والجهود المكثفة المبذولة طوال السنوات الأربع الماضية قد أسفرت عن تأسيس شركة مصرية جديدة برأس مال وطني خالص لاستغلال وفصل المعادن الثقيلة الموجودة قبالة ساحل البرلس بمحافظة كفر الشيخ، لما تتميز به هذه المنطقة تحديدا من ثراء لافت من الرمال السوداء والمعادن الاقتصادية الثقيلة. كما تم عرض هذا المشروع ضمن الفرص الاستثمارية بالمؤتمر الاقتصادي العالمي الذي عقد في مدينة شرم الشيخ خلال شهر مارس/آذار الحالي.

ترى هل تسفر هذه الجهود في النهاية عن استغلال أحد مكامن الثروة المعدنية في مصر بشكل واقعي؟ والاستفادة منها في دعم الاقتصاد المصري؟ وهل تحذو بقية الدول العربية -خاصة السعودية واليمن- نفس الحذو وتلتفت لما تمتلكه من ثروات وموارد طبيعية زاخرة؟


______________
* باحث علمي من مصر، حاصل على الدكتوراه في الدراسات البيئية والاستشعار عن بعد

المصدر : الجزيرة