لا شك أن أحد أهم أسباب الرفاهية اليوم تعود إلى الوسائل التقنية المتوفرة في حياتنا اليومية كالهواتف النقالة وأجهزة التكييف والثلاجات والتلفزيونات ووسائل النقل المتطورة وغيرها. غير أن مصير هذه الأجهزة المعقدة التصنيع بعد الاستغناء عنها وتحولها إلى خردة، أصبح يمثل تحديا كبيرا في جميع دول العالم، خاصة أن هذا النوع من النفايات يشهد أعلى معدل سنوي للزيادة مقارنة ببقية أنواع النفايات. 

في العام 2014 طرحت في الأسواق العالمية كميات مهولة من الأجهزة تقدر بـ250 مليون جهاز تلفزيون ونحو 1.9 مليار هاتف نقال و600 مليون جهاز حاسوب مكتبي ومحمول ولوحي، وفقا لموقع غاتنر المختص في مجال البحوث حول تقنية المعلومات الإلكترونية. وبعد سنوات قليلة ستتحول جميع هذه الأجهزة، إضافة إلى ما تم طرحه في السنوات السابقة، إلى خردة.

وتشير تقديرات مركز أبحاث تابع للأمم المتحدة معني بهذه القضية إلى أن حجم النفايات الإلكترونية سيرتفع من نحو 48.9 مليون طن عام 2012 إلى أكثر من 65 مليون طن بحلول العام 2017. ولا تدخل في هذه الأرقام الأجهزة "البيضاء" كالثلاجات والغسالات وغيرها.

وتتصدر الولايات المتحدة قائمة البلدان المنتجة للنفايات الإلكترونية بأكثر من تسعة ملايين طن، تليها الصين بـ7.4 ملايين، في الوقت الذي تنتج فيه الدول الأوروبية مجتمعة قرابة 11 مليون طن، ودول شرق آسيا 12 مليونا من هذه النفايات.

حرق النفايات الإلكترونية في الدول النامية يسبب أضرارا بيئية خطيرة (غيتي)

المخاطر
وتمثل النفايات الإلكترونية مصدر قلق متزايد على أكثر من صعيد، فهي -وإن لم تتجاوز نسبتها 5% من مجموع النفايات عالميا- تشهد أعلى معدل زيادة مقارنة بباقي النفايات يتراوح بين 3 و5% سنويا، مدفوعا بتطور تقني سريع كما هو الحال بالنسبة لشاشات التلفزيون والحواسيب والهواتف الذكية، إضافة إلى تدني أسعار العديد من المنتجات لتكون في متناول ذوي الدخل المحدود.

كما أن المخاطر البيئية والصحية لهذه النفايات عالية جدا، ففي الولايات المتحدة مثلا تمثل النفايات الإلكترونية -وإن لم تتجاوز نسبتها 2% من جملة النفايات- 70% من مجموع النفايات السامة، ويعود ذلك إلى احتوائها على العديد من المواد الخطرة على الصحة والبيئة كمواد الزئبق والكادميوم والرصاص التي يمكن أن تلحق أضرارا كبيرة بالجهازين العصبي والتنفسي.

أين ينتهي بها المطاف؟
تمثل إعادة تدوير هذا النوع من النفايات تحديا تقنيا وبيئيا كبيرا نتيجة كثرة المواد المستعملة وكلفة فصلها، فالهواتف الذكية مثلا تحتوي على ما بين 500 و1000 مكون مصنوعة من عشرات المواد المختلفة. لذا فإن إعادة تدوير هذه النفايات لا تشمل سوى أقل من 5% من مجموع النفايات الإلكترونية، وذلك بسبب تكاليفها الباهظة والقوانين الصارمة التي وضعتها الدول المتقدمة.

وبسبب الرسوم المرتفعة لعملية إعادة تدوير النفايات في أوروبا، فإن العديد من الشركات تصدّرها إلى دول أخرى -خاصة الدول الأفريقية- على شكل مساعدات إنسانية في كثير من الأحيان.

وبحسب تقرير أممي فإن قرابة 220 ألف طن من النفايات الإلكترونية تم تصديرها إلى دول أفريقيا الغربية من أوروبا عام 2009، ومثلها في العام الذي سبقه. كما أن 80% من النفايات الإلكترونية الأميركية يتم تصديرها إلى آسيا.

وتعتبر الهند والصين وغانا أكبر الدول "المستوردة" للنفايات الإلكترونية، حيث يتم تفكيكها بطرق بدائية -في أغلبها- لاستخراج المعادن الثمينة، ثم وضع ما تبقى في مصبات عشوائية تمثل خطرا على البيئة وعلى مصادر المياه الجوفية. كما تُحرق الكثير من هذه المصبات لتطلق أدخنة سامة في الجو تهدد صحة الإنسان.

النفايات الإلكترونية تعتبر مصدرا للمعادن الثمينة كالذهب والفضة والنحاس (أسوشيتد برس)

منجم ثمين
في مقابل ذلك نجد أن هذه النفايات تحتوي على مواد ثمينة، وهو ما يشجع على إعادة تدويرها رغم صعوبتها، إذ تحتوي الأجهزة الإلكترونية على كميات متفاوتة من المعادن النفيسة كالذهب والفضة والبلاتين. ويقدر بعض الخبراء قيمة هذه المواد في مصبات النفايات الإلكترونية بالولايات المتحدة وحدها بأكثر من ستين مليون دولار.

وحسب إحدى الدراسات، يمكن استخراج نحو 17 طنا من النحاس و380 كلغ من الفضة و37 كلغ من الذهب و16 كلغ من البلاديوم، من إعادة تدوير مليون هاتف جوال.

في المقابل، يرى خبراء الاقتصاد أن سوق إعادة تدوير الأجهزة الإلكترونية سوق واعدة ستتطور سريعا في المستقبل باعتبارها منجما للمعادن الثمينة، فكلفة استخراجها من النفايات أقل بعشر مرات من استخراجها من المناجم الطبيعية. وحسب موقع "أي.بي.آي ريسيرتش"، فإن حجم سوق إعادة تدوير المواد الإلكترونية سيبلغ 14.7 مليار دولار عام 2015 مقابل 5.7 مليارات عام 2009.

وبحسب الخبراء، لا يمكن الاعتماد على دعم صناعة إعادة التدوير لوحدها لحل مشكلة النفايات الإلكترونية، خاصة أن هذه الصناعة يحكمها المنطق الربحي أولا وقبل كل شيء. بل يتعين توعية المستهلك بأضرار الأجهزة التي يقتنيها بعد الانتهاء من استعمالها، ودفع الشركات المصنعة إلى اعتماد مواد أولية أقل ضررا بالبيئة، مع تحمل جزء من أعباء التخلص من النفايات عبر استرجاعها وإعادة تدويرها لصنع أجهزة جديدة.
_______________
* إعلامي تونسي متخصص بالشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة