محمد غالي

شهدت العاصمة القطرية مؤخرا (17-18 فبراير/شباط 2015) النسخة الثانية من مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية (ويش)، وهو إحدى مبادرات مؤسسة قطر التي أطلقتها الشيخة موزا بنت ناصر نهاية عام 2013  بالتعاون مع جامعة إمبريال كوليدج لندن بالمملكة المتحدة التي يعمل بها الرئيس التنفيذي للمؤتمر، البروفيسور دارزي أحد كبار الجراحين في عالمنا المعاصر.

وقد شارك في قمة "ويش" هذا العام ما يزيد على ألف شخص من بينهم عدد كبير من الوزراء وصانعي السياسات الصحية والأكاديمين الذين وفدوا من أكثر من ثمانين دولة.

ناقشت القمة عددا من الموضوعات والتحديات ذات الصلة بسياسات الرعاية الصحية التي ستحدد بشكل كبير مدى قدرة الدول مستقبلا على توفير رعاية صحية لشعوبها بالاعتماد على الذات بعيدا عن التبعية لدول اعتادت أن تصنع التقدم العلمي في مجال الرعاية الصحية ثم تُنْعِم ببعضه على من تشاء أوتمنعه كله أو جله عمن تشاء حتى وإن كانت الشعوب في أمس الحاجة إليه، كما يظهر لكل ذي عينين في التعامل مع الأمراض الوبائية المنتشرة في بعض بقاع العالم النامي.

وقد اهتم عدد من المنابر الإعلامية، من بينها شبكة الجزيرة، بالحديث عن موضوعات القمة المختلفة لكنني أود التركيز هنا على موضوع بعينه وهو "ثورة الجينوم العلمية وأبعادها الأخلاقية" الذي خصصت له القمة ندوة منفردة، وهو موضوع محوري يبين أن جزءا مهما من استقلال الدول في المستقبل القريب سيكون مرهونا بقدرتها على صنع المعرفة التي تنتج رعاية صحية تلائم حاجات وطموحات شعوبها دون أن يكون ذلك على حساب القيم والمثل التي تشكل ثقافة وهوية هذه الشعوب.

لم يكن مشروع الجينوم رحلة استكشافية خارج الأرض وإنما داخل الإنسان لاستكشاف بعض عجائبه وفك شيء من رموزه وشفراته التي استعصت على العلماء من قبل

ثورة الجينوم وإعادة اكتشاف الإنسان
كان إعلان الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون عن إنجاز "مشروع الجينوم البشري" عام 2003 حدثا جللا أقام الدنيا في ذللك الوقت ولم يقعدها حتى الآن. استغرق العمل في المشروع ما يزيد على عقد من الزمن وبلغت تكلفته 2.7 مليار دولار وتمت مقارنة حجم الإنجاز بنجاح الإنسان في الهبوط على سطح القمر. لكن مشروع الجينوم لم يكن رحلة استكشافية خارج الأرض وإنما داخل الإنسان لاستكشاف بعض عجائبه وفك شيء من رموزه وشفراته التي استعصت على العلماء من قبل.

فجسد الإنسان يحتوي على عشرات التريليونات من الخلايا وداخل كل خلية يوجد الدي إن أي (DNA) على شكل خطوط ملتفة. وإذا ما قمنا فرضا بفرد كل هذه الخطوط الملتفة ووضعناها على شكل صف متواصل فإن هذا الصف -الذي سيكون سمكه أرفع بآلاف المرات من الشعرة الواحدة- سيمتد مسافة تكفي للذهاب من الأرض إلى الشمس والعودة منها 500 مرة!

مثل هذه المعلومات المبسطة تساعدنا على تصور حجم إنجاز فك شفرة الجينوم البشري الذي هو المجموع الكلي للمحتوى الوراثي للإنسان والذي يتضمن حوالي ثلاثين ألف جين علما بأن بعض الخلل في جين واحد -وهو ما يسمى بالطفرة الجينية أو الوراثية- قد يكون وراء حدوث أربعة آلاف مرض وراثي.

ولذلك كان تعبير فرانسيس كولينز -مدير مشروع الجينوم- عن هذا الإنجاز بأنه اكتشاف "كتاب الحياة" الذي جعل هذا الجيل من البشر أول من يتعرف على عدد من القوانين والسنن التي كانت -وفق تعبير كولينز- جزءا من العلم الإلهي المستور عن أسلافنا من البشر.

كما نوه كولينز بحجم التحدي القائم والجهد المطلوب بذله مستقبلا بقوله "كأننا قد اكتشفنا كتاب الحياة فقط لندرك أنه مكتوب بلغة غير معروفة" وبالتالي لا يزال العلماء في شتى أنحاء العالم المتقدم منهمكين في فك رموز لغة هذا الكتاب حتى نتعرف أكثر على هذا الإنسان فنصلح ما فسد من جسده أو نحميه من التعرض للعطب بل بالغ البعض فقال بإمكانية "إعادة بناء الإنسان بشكل كامل وعلى نحو أفضل".

ثورة الجينوم والخليج العربي
يبدو أن بعض دول الخليج لا تود التخلف عن الركب العلمي هذه المرة وترغب في تجاوز دور "المستهلك" لثمار المنجزات العلمية إلى دور "المشارك" في صناعة هذا النوع من المعرفة المتقدمة. فقد شهد شهر ديسمبر/كانون الأول 2013 انطلاق مبادرة "مشروع جينوم قطر" الذي أعلنت عنه الشيخة موزا بنت ناصر في خطابها الافتتاحي للنسخة الأولى من مؤتمر "ويش". وقد شهد نفس العام ونفس الشهر انطلاق مشروع "برنامج الجينوم البشري السعودي" في السعودية. وقد سبقت هاتين المبادرتين مبادرة الإمارات بتأسيس المركز العربي للدراسات الجينية بدبي عام 2003.

وخصصت هذه الدول مبالغ مالية ضخمة لتحقيق طموحاتها العلمية، فقد ذكرت مجلة "نيتشر" -وهي واحدة من أهم المجلات العلمية في العالم حاليا- في عددها الصادر في أغسطس/آب 2012، استنادا إلى تقارير صادرة عن مجلس التعاون الخليجي، أن عددا من دول الخليج -وعلى رأسها قطر والسعودية والإمارات- في طريقها إلى التحول من اقتصادات قائمة على النفط إلى اقتصادات قائمة على المعرفة مع حلول عام 2020.

وأشارت المجلة إلى تصدر دولة قطر لقائمة الدول الخليجية بتخصيصها 2.8% من إجمالي الناتج المحلي للإنفاق على البحث العلمي متخطية بذلك حاجز متوسط إنفاق الدول المتقدمة الذي يبلغ 2.5%.

وتحصل مشاريع الجينوم على نصيب وافر من هذه المخصصات فقد بلغت ميزانية مشروع الجينوم السعودي 300 مليون ريال سعودي (80 مليون دولار) موزعة على ثلاث سنوات. ولاشك أن هذا التمويل السخي إذا ما رافقه إتقان وتفان في العمل لا بد أن يؤتي أكله يوما ما على المدى البعيد بل ربما القريب أيضا، ونذكر على سبيل المثال التنويه بالجهود العلمية للمركز العربي للدراسات الجينية بدبي ووصفها بأنها عمل نموذجي من قبل مجلة "نيتشر" في مقالها الافتتاحي لعدد 38 (8) عام 2006.

يكفي في هذا السياق أن نستحضر وصف الجينوم بأنه "كتاب الحياة" حتى ندرك كم هي المعضلات الأخلاقية التي قد تنشأ عن تصفح حروف وسطور هذا "الكتاب"

التحدي الأخلاقي
يتميز الجينوم -وهو أحد أهم موضوعات التكنولوجيا الحيوية في هذا القرن- بكم وحجم التحديات الأخلاقية التي يطرحها. فللمرة الأولى في التاريخ يتم البحث في الجوانب الأخلاقية بالتوازي مع إجراء البحوث العلمية وليس بعد الانتهاء منها كما كان المعتاد في علم الأخلاقيات الطبية والحيوية.

فمع انطلاق مشروع الجينوم البشري في أميركا تم إنشاء برنامج خاص للبحث في الجوانب الأخلاقية بعنوان "برنامج الانعكاسات الأخلاقية والقانونية والاجتماعية" بميزانية ضخمة تخطت 14 مليون دولار سنويا تم استخدامها لتمويل منح بحثية محكَّمة. وقد أصبح هذا التزامن والتلازم بين العلمي والأخلاقي في مجال الجينوم سمة المشاريع البحثية في هذا الميدان في مختلف دول العالم.

ويكفي في هذا السياق أن نستحضر وصف الجينوم بأنه "كتاب الحياة" حتى ندرك كم المعضلات الأخلاقية التي قد تنشأ عن تصفح حروف وسطور هذا "الكتاب" والتي تكشف عن منجم من المعلومات والأسرار تزيد كما وكيفا كلما تمكن العلم من فك مزيد من شفرات اللغة التي سُطّر بها.

فالمعلومات الموجودة داخل الجينوم يمكن استخدامها لإنقاذ حياة إنسان أو علاج مرض عضال إلا أنه يمكن استخدامها كذلك للتشكيك في صحة انتساب إنسان ما إلى أب أو إلى قبيلة أو عرق معين أو للكشف عن احتمال إصابته بمرض ما في المستقبل أو نقله لهذا المرض إلى ذريته من بعده مما يؤثر على فرص هذا الإنسان في الحصول على وظائف معينة أو على فرص الزواج وتكوين أسرة بل وربما يمتد تأثير هذه المعلومات إلى أفراد العائلة الآخرين خوفا من أن يكون لديهم نفس القابلية للإصابة ببعض الأمراض الوراثية، وهو ما يعرف الآن بـ"العنصرية الجينية" حيث يتعرض الإنسان للعنصرية فقط بسبب الجينات التي يحملها.

أضف إلى ذلك "الإشكاليات المفاهمية"، حيث طرحت ثورة الجينوم إشكالات كبرى تتعلق بتناولنا لبعض المفاهيم المركزية في حياتنا ولا نعرف إلى أي مدى ستصمد طرقنا التقليدية لتناول هذه المفاهيم.

فمثلا مفهومَا "الصحة" و"المرض" من المفاهيم المركزية في التراث الإسلامي وهناك عدد كبير من الأحكام الفقهية مبني على تصور معين مفاده عموما أن المرض مرتبط غالبا باعتلال الصحة بشكل يعيق المرء من أداء شعائر بعينها ولكن في عصر ما بعد الجينوم الآن كيف لنا أن نصنف حالة إنسان نراه لا يعاني من اعتلال في بدنه أو عقله لكنه يحمل جينات ستسبب له -وربما لذريته من بعده- مرضا ما في المستقبل؟

فهل مثل هذا الشخص "صحيح" أم "مريض" وهل يمكن القول بأنه "صحيح" في حالات معينة فلا نسمح مثلا بممارسة "العنصرية الجينية" ضده في أمور التوظيف ولكنه "مريض" في حالات أخرى أو مصاب بما سمّاه الفقهاء قديما "المرض الذي يتعدى ضرره إلى النسل" وبالتالي نفرض عليه مثلا إجراء الاختبار الجيني قبل الزواج وضرورة الإفصاح عن نتائجه لزوج المستقبل؟ ثم ما هو دور النسب المئوية أو بتعبير الفقهاء "درجات الظن واليقين" في احتمال الإصابة بالأمراض مستقبلا على تصنيف إنسان ما بأنه "صحيح" أو "مريض" أو ربما "صحيح من وجه ومريض من وجه"؟!

وقد أحسنت المجامع الفقهية صنعا بمناقشتها -بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت- لعدد من الجوانب المتعلقة بأبحاث الجينوم ذات الخصوصية الإسلامية حيث نلحظ غيابا واضحا لمثل هذه الجوانب في برامج "الانعكاسات الأخلاقية والقانونية والاجتماعية" في الدوائر الغربية والتي برز في أبحاثها طغيان البعد العلماني حتى إن كلمة "دين" لا يرد لها ذكر في عناوين هذه البرامج. 

ورغبة منا في ترشيد هذه التجربة الناشئة في العالم الإسلامي والحرص على نجاحها وتعزيز الرابطة بين العلمي والأخلاقي فيها، نقترح الآتي:

* تناول الجوانب الأخلاقية لأبحاث الجينوم في إطار أكاديمي ومؤسسي، فالأسئلة الأخلاقية التي تثيرها أبحاث الجينوم بشكل متتابع ومتدفق لا يمكن أن تأخذ حقها من البحث والدراسة من خلال ندوات أو مؤتمرات فقط وإنما في الأساس من خلال برامج أكاديمية متخصصة تتابع مشاريع الجينوم وتنسق مع القائمين على الأبحاث العلمية حتى يتم رصد الأسئلة الأخلاقية تباعا ومن ثم معالجتها بالمنهجية المناسبة وفي الوقت المناسب.

* الأخذ في الاعتبار أن معالجة بعض الجوانب الفقهية المتعلقة بالجينوم لا يؤدي بالضرورة إلى إنتاج "خطاب أخلاقي" قادر على تقديم مقاربات متناسقة ومتماسكة تستوعب "سؤال الأخلاق" في هذا الميدان العلمي السريع التطور. حيث يتعذر حل الإشكالات التي تطرحها أبحاث الجينوم بإصدار فتوى أو قرار وإنما تحتاج إلى حفر عميق في الفكر الإنساني من ناحية ومن ناحية أخرى تتطلب التعامل مع التراث الإسلامي بمفهومه الواسع الذي يتضمن إلى جانب الفقه علوما ومعارف أخرى لا يمكن إغفالها عند معالجة هذه القضايا الشائكة مثل العقيدة والفلسفة والأدب وعلم الأخلاق.
______________
* أستاذ الأخلاق الطبية والحيوية في الإسلام، مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، جامعة حمد بن خليفة، قطر

المصدر : الجزيرة