الصغير الغربي-تونس

مرت يوم 10 فبراير/شباط الحالي ذكرى وفاة أحد أبرز العلماء الذين أسهموا في تقدم العلوم أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهو العالم الألماني ويلهلم رونتغن مكتشف أشعة إكس أو الأشعة السينية التي أحدثت ثورة حقيقية في العديد من المجالات كالتصوير الطبي واستكشاف تركيبة المادة وسبر أغوار الكون.

ولد ويلهلم كونراد رونتغن في لبنيب بألمانيا عام 1845 وتنقل مع عائلته إلى هولندا وسويسرا ودرس الميكانيكا في مدرسة التقنيات العليا بزيوريخ وتخرج مهندسا عام 1868، ثم درس الفيزياء ليحصل على الدكتوراه في العام التالي ويصبح معيدا في جامعة ويرزبورغ، قبل أن يرتقي إلى رتبة أستاذ للفيزياء عام 1875، ودرّس في جامعات ستراسبورغ ثم في ويرزبورغ وجنيف.

كانت أولى ورقاته العلمية التي نشرها بداية من عام 1870 حول حرارة الغازات وموصلية المواد البلّورية والديناميكا الحرارية، وقد اهتم بداية من العام 1893 بدراسة الخصائص الكهربائية لمادة الكوارتز.

اكتشف رونتغن أشعة إكس صدفة عام 1895 (ويكيبيديا)

المصادفة
وفي أحد أيام خريف 1895 اكتشف رونتغن صدفة أشعة قادرة على اختراق المادة بدرجات مختلفة غير معروفة من قبل أطلق عليها أشعة إكس، رمز الشيء المجهول في الرياضيات.

كان رونتغن -كغيره من فيزيائيي عصره- مهتما بإجراء تجارب حول الإشعاعات التي تنبعث من الغازات باستعمال أنبوب كروكس، وهو يشبه الأنبوب الكاثودي المفرغ من الهواء (به نسبة ضئيلة جدا من الهواء) والمستعمل في أجهزة التلفزيون القديمة.

ويتميز الأنبوب بوجود قطبين كهربائيين في طرفيه أحدهما يدعى كاثود والآخر أنود. أما الكاثود فيتكون من قطب متصل بتيار كهربائي، وعندما يمر التيار من خلاله ترتفع درجة حرارته تدريجياً حتى تبلغ حدا يمكّن إلكترونات ذلك القطب من الانفلات والانطلاق نحو الأنود. وأما الأنود فهو معدن مشحون بشحنة موجبة تجذب الإلكترونات المنبعثة من الكاثود. ويصاحب العملية انبعاث أشعة ناتجة عن عملية تأيّن بقايا الغاز داخل الأنبوب.

في ذلك اليوم كان رونتغن قد غطى الأنبوب بغلاف كرتوني أسود في غرفة مظلمة، غير أنه لاحظ أن شاشة فسفورية كانت موجودة قرب الأنبوب قد أصدرت إشعاعا رغم عدم وصول الضوء المرئي الخارج من الأنبوب إليها، وهو ما جعل العالم الألماني يستنتج أن إشعاعا غير مرئي اخترق الغلاف الكرتوني ليحدث إشعاع الشاشة الفسفورية.

وجعلت هذه المفاجأة المذهلة رونتغن يقضي ثلاثة أسابيع في تكرار التجربة بوضع مواد مختلفة بين الأنبوب الكاثودي والشاشة الفسفورية، ولاحظ أن اختراق الأشعة لجسم ما يتفاوت حسب طبيعة المادة، فالأجسام المكونة من العناصر الثقيلة كالمعادن والعظام تمتص أشعة إكس، أما الأجسام المكونة من العناصر الخفيفة كاللحم والدم فتسمح بنفاذ هذه الأشعة.

وتجسد هذه الاستنتاجات أول صورة بالأشعة في التاريخ أنجزها رونتغن بنفسه ليد زوجته، وتظهر خاتما ذهبيا بلون غامق وعظام اليد بلون رمادي، في حين لا أثر لعضلات اليد والأوردة الدموية في الصورة.

استكشاف الفضاء يدخل ضمن استخدامات أشعة إكس (رويترز)

أهمية الاكتشاف
تظهر أهمية الاكتشاف من ردة فعل الأوساط العلمية في ذلك الوقت، وقد تم إحصاء أكثر من ألف ورقة علمية صدرت في العام الموالي للاكتشاف حول هذا الموضوع. كما أن الصورة التي أنجزها رونتغن سرعان ما أوحت بأحد أهم التطبيقات لأشعة إكس وهي التصوير الطبي، لما تتيحه من رؤية داخل الجسم تسمح بتشخيص بعض الأمراض أو الإصابات كالكسور في العظام دون الحاجة إلى التدخل الجراحي.

وساهم الاكتشاف في حصول رونتغن على أول جائزة نوبل للفيزياء عام 1901 رغم وجود علماء فيزياء لهم إسهامات كبيرة في تقدم هذا العلم كماكس بلانك وماكسوال وغيرهما.

ونشر رونتغن ثلاث ورقات علمية حول اكتشافه كان أولها أواخر ديسمبر/كانون الأول 1895 وترك لغيره مهمة استكشاف ماهية هذه الأشعة، فأثبت الفيزيائي ماكس فون لو أن أشعة إكس هي إشعاع كهرومغناطيسي له موجات قصيرة جدا وطاقة عالية، وهو ما يمكنه من النفاذ عبر الأجسام.

استخدامات مختلفة
إضافة إلى المجال الطبي، تستخدم الأشعة السينية أو أشعة إكس أو أشعة رونتغن في العديد من المجالات، كالكيمياء لدراسة التفاعلات الكيميائية، والبيولوجيا لتحديد البنية المجهرية للمادة وهي التقنية التي استعملها العالمان جيمس واطسون وفرنسيس كريك عام 1953 لكشف الشكل الحلزوني الملتوي لجزيء الحامض النووي الريبي منقوص الأوكسيجين (DNA) الحامل للصفات الوراثية.

كما تستعمل هذه الأشعة في علم الفلك لاستكشاف النجوم بطريقة غير مباشرة، فقد تبين مثلا أن ولادة النجوم تترافق مع انبعاثات كثيفة لهذه الأشعة. كما تستعمل في المسرّعات الإلكترونية الضخمة لدراسة بدايات الكون.

وتعود سرعة إيجاد تطبيقات متعددة لهذا الاكتشاف ليس فقط إلى أهمية ما تم اكتشافه فقط، بل كذلك إلى نبل هذا العالم الذي انطفأت شعلته يوم 10 فبراير/شباط 1923، فقد رفض رونتغن التقدم بطلب براءة اختراع لأشعة إكس، وهو ما كان ليحرم الإنسانية لعقود من الاستفادة منها.

المصدر : الجزيرة