عمر الحياني*

مجرد وجود حيتان وسط صحراء قاحلة يعد ضربا من الخيال العلمي لا أكثر، لكنها حقيقة تفاجئك بمجرد أن تطأ قدماك وادي الحيتان في مصر.

باتجاه محافظة الفيوم جنوبا، وعلى بعد 150 كلم من العاصمة المصرية القاهرة، تستريح بقايا أحفورية منذ ملايين السنين بعد أن تركها انحسار البحر التيثي الذي غمر المنطقة في عصور سحيقة.

مئات من هياكل الحيتان التي يمكن للزائر رؤيتها في المتحف المفتوح، ‏وبقايا أحفورية لأسماك القرش‏، وأصداف وحيوانات بحرية، وأعشاب وأشجار المنغروف المتحجرة، جميعها  تشكل كنزا من الأدلة للعلماء الذين يسعون إلى فك لغز المراحل التي مرت بها الأرض والحقب الزمنية للعصور الجيولوجية لتكون الأرض وتشكلها.

وادي الحيتان عبارة عن  منخفض عميق كان مغطى بمياه ما يعرف بالبحر التيثي (الجزيرة)

جيولوجية التكون
وفقاً لعلماء الجيولوجيا، مرت الأرض بمراحل مختلفة في التكوين الجيولوجي، وبرزت شواهد دالة على هذا التغير في جيولوجية الأرض مكنت الباحثين من دراسة الحقب الزمنية التي مرت بها الكرة الأرضية والفترات المناخية التي رافقت هذه التغيرات.

ففي عصر "إيوسين" -ما بين 56 و40 مليون سنة- كان أبرز معالم هذا العصر تغطية ما كان يدعى البحر التيثي لشمال أفريقيا ومصر مرورا بوسط الجزيرة العربية والمحيط الهندي، قبل تكون البحر الأحمر في حقبات لاحقة.

ويرجع غمر مساحات واسعة من الأرض -من ضمنها وسط أفريقيا ومصر- إلى مرور الأرض بطقس دافئ منع تكون الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، مما تسبب في ارتفاع منسوب مياه المحيطات.

واستمر وجود البحر التيثي في شمال قارة أفريقيا مئات ملايين السنين، حدث بعدها تغير في المناخ وتكون الجليد في القطبين، وبالتالي تجمدت الكثير من المحيطات وانحسرت المياه إلى أماكنها المعروفة حاليا. ويعتبر جفاف بحر التيثي وظهور أرض مصر أحد هذه المتغيرات.

ويعد وجود هياكل عظمية للحيتان في صحراء وادي الحيتان أحد أهم المكتشفات الحديثة لدراسة الحقبة الزمنية لعصر "إيوسين" الأوسط.

وفقا للباحث الجيولوجي المصري المسؤول عن المحمية أحمد عوض، فإن الوادي عبارة عن منخفض عميق كان مغطى بمياه البحر التيثي قبل أن ينحسر مكونا ما يعرف حاليا بالبحر الأبيض المتوسط،‏ وتحجرت كائناته منذ العصر الإيوسيني الأول،‏ أي منذ ‏60‏ مليون عام.

ويضيف أن وادي الحيتان كان شاطئا لبحر التيثي، فأشجار المنغروف والتيريدوليتس التي يبلغ طولها 18م، إضافة إلى غنى المنطقة بالبقايا الأحفورية، كلها مؤشرات ودلائل تثبت ذلك.

المئات من البقايا الأحفورية لحيوانات بحرية منقرضة توجد في الوادي (الجزيرة)

تراث عالمي
يشكل "وادي الحيتان" متحفاً جيولوجيا مفتوحا وفريدا من نوعه، تستلقي رمال الصحراء التي تزينها نتوءات صخرية نحتها الزمان بدقة بالغة على مساحته البالغة 400 كلم2 داخل وادي الريان الذي تبلغ مساحته 1759 كلم2.

وتعد محمية وادي الريان التي يقع ضمنها "وادي الحيتان" تراثا طبيعيا هاما للمعرفة الإنسانية، نظرا لاحتوائها على المئات من البقايا الأحفورية لحيوانات بحرية منقرضة، لعل أهمهما اكتشاف بقايا حوت "باسيلوسورس إيزيس" الذي يبلغ طوله 18م.

ويقول عوض إنه تم تنفيذ "نحو 1300 حفرية في الوادي بين عامي 2005 و2012، اكتشف منها في المتحف المفتوح نحو 406 هياكل عظمية لبقايا أحفورية. وكانت أولى الاكتشافات للبقايا الأحفورية في الوادي عام 1903 بواسطة العالم "بيد تل" خلال زيارته إلى مصر لإجراء بعض المسوحات الجيولوجية.

وأعلنت الحكومة المصرية وادي الريان محمية طبيعية عام 1989 وصنفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) وادي الحيتان كمنطقة تراث عالمي عام 2005، واختارتها كأفضل مناطق التراث العالمي للهياكل العظمية للحيتان والبقايا الأحفورية.

ويرجع سبب الاختيار إلى المعيارين الثامن والتاسع من معايير اختيار المناطق الأثرية لدى اليونيسكو، حيث يجب "أن تكون الأمثلة البارزة التي تمثل المراحل الرئيسية من تاريخ الأرض -بما في ذلك سجل الحياة- شواهد بارزة وكبيرة على ما جرى من عمليات جيولوجية في تطوير تضاريسها، أو ملامح شكل الأرض أو أخرى فيزيوغرافية كبيرة".

أحدثت ممرات خاصة للزائرين لمشاهدة البقايا الأحفورية (الجزيرة)

مخاطر وتهديدات
ولعل الطبيعة الصحراوية الشديدة القسوة التي تميز بها وادي الحيتان هي ما حماه من العبث البشري، وهو ما أكده عوض بقوله إن العنصر البشري "يمثل الخطر الحقيقي على المحمية باعتبار الوادي مفتوحا والحراسة قليلة فيه، والموارد الأثرية للبقايا الأحفورية غير قابلة للتجدد".

ويذكّر عوض بحادثة "قيام سيارة تابعة لإحدى السفارات الأوروبية ذات الدفع الرباعي بتدمير هيكل عظمي لبقايا أحفورية، مما استدعى تغريمها نحو عشرة ملايين دولار وفقا لقانون حماية البيئة لعام 1994.

وأنشئت ممرات محددة في الوادي لا يسمح بتجاوزها لاحتمال تعرض البقايا الأحفورية للأذى والتفتت. ويمر الزائرون والسياح عبر هذه الممرات لمشاهدة البقايا الأحفورية. ويقول عوض "لم ندعم إقامة طريق إسفلتي حتى يظل الوادي بعيدا عن العبث وحركة الوافدين التي تتراوح بين عشرين وثلاثين ألفاً سنويا".

وتسعى إدارة محمية وادي الحيتان إلى تنمية المنطقة ووضع تصور لتحويلها إلى متحف مفتوح للبقايا الأحفورية، بهدف اعتمادها وجهة للسياحة البيئية والعلمية والجيولوجية.

ويشرح عوض أن الهدف الأهم هو إنشاء المتحف الطبيعي ومركز الأبحاث المتقدم في وادي الحيتان، ليحتوي البقايا الأحفورية والآثار المنتشرة على طول الوادي وما سيتم اكتشافه لاحقا، ليتم حفظها بصورة أفضل.

وبحسبه فإن المتحف يعد الأكبر في الشرق الأوسط وفق أحدث المعايير العالمية في بناء المتاحف الجيولوجية، وتبلغ تكلفته نحو ثلاثة ملايين جنيه، ليتضمن إضافة إلى البقايا الأحفورية مركز أبحاث عالميا لدراسات الأحفوريات وجيولوجيا الوادي.

ويشكو عوض بمرارة أن الجامعات المصرية لا تولي اهتماما بالبحوث في جانب علم الإنسان أو الإنثربولوجيا وعلم الحفريات رغم الدعوات المتتالية لهم، بينما يتم التعاون مع جامعة ميشيغن الأميركية بموجب بروتوكول موقع مع المتحف الجيولوجي ووزارة شؤون البيئة المصرية.
_____________________
* صحفي يمني متخصص في الشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة