الركود الرقمي.. أزمة أوروبا الأخرى
آخر تحديث: 2015/11/3 الساعة 14:47 (مكة المكرمة) الموافق 1437/1/22 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/11/3 الساعة 14:47 (مكة المكرمة) الموافق 1437/1/22 هـ

الركود الرقمي.. أزمة أوروبا الأخرى

احتلت الدول الأوروبية المراتب التسع الأخيرة في قائمة الخمسين دولة ضمن "مؤشر التطور الرقمي" (رويترز)
احتلت الدول الأوروبية المراتب التسع الأخيرة في قائمة الخمسين دولة ضمن "مؤشر التطور الرقمي" (رويترز)

الجزيرة نت

تمر أوروبا حاليا بأزمة، لكنها لا تتعلق بتدفق اللاجئين أو الديون اليونانية أو حتى مستقبل الاتحاد الأوروبي، وإنما بشيء يملك تبعات أكثر خطورة على تنافسية أوروبا على الصعيد العالمي، فالقارة العجوز في وسط حالة من "الركود الرقمي".

ففي "مؤشر التطور الرقمي" لباحثين من معهد فليتشر التابع لجامعة تافتس الأميركية الخاصة للأبحاث، والذي شمل 50 دولة، 23 منها أوروبية (لا تتضمن تركيا) أظهر أن ثلاث دول فقط هي سويسرا وإيرلندا وإستونيا، وصلت إلى المرحلة "البارزة"، التي تعني أن مستوياتها العالية من التطور الرقمي جذابة للشركات العالمية والمستثمرين، وأن بيئتها الرقمية تساعد في ظهور شركات ناشئة وشركات إنترنت يمكن أن تتنافس عالميا.

في حين أظهرت الدراسة أن 15 دولة أوروبية تفقد زخمها منذ العام 2008 من حيث حالة التطور الرقمي، وهو ما يقصد به هنا الركود الرقمي، حيث حلت هولندا في المرتبة الأخيرة. كما احتلت الدول الأوروبية المراتب التسع الأخيرة في قائمة الخمسين دولة.

إضافة إلى ذلك، تشمل دول الانحسار الرقمي اقتصادات كبرى مثل ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وكذلك فنلندا والسويد، وهي قوى تكنولوجية إسكندنافية كانت رائدة في الهواتف الجوالة بفضل شركات مثل نوكيا الفنلندية وألكاتل-لوسنت الفرنسية وإريكسون السويدية قبل أن تنزوي في ظل الشركات الأميركية والآسيوية. أما في بقية أوروبا فكانت حالة التطور الرقمي متوسطة ووتيرة التحسن فاترة.

إن هذا الأداء الرتيب يؤدي إلى اتساع الفجوة الرقمية في الوقت الذي تشاهد فيه أوروبا أميركا والصين تتوليان قيادة الإبداع التقني. كما يشير تقرير صدر مؤخرا إلى أن مشكلة الفجوة الرقمية الأوروبية تمتد بعيدا ما وراء الأطلسي، حيث تأتي أوروبا في المرتبة الثالثة بفارق كبير خلف أميركا الشمالية وآسيا.

نوكيا مثال بارز على شركات التقنية الأوروبية التي انزوت في ظل نظيرتها الأميركية (رويترز)

التحرك الأوروبي
فما الذي فعلته أوروبا لعلاج هذا الوضع؟ إن أكثر ما فعلته هو الشعور بالإحباط وحتى الرفض والاستهجان من الوضع المهيمن للولايات المتحدة ومحاولة تقييد هذه الهيمنة بأكثر الوسائل المتاحة.

فالاتصالات الألمانية مثلا "دويتشه تيليكوم" أطلقت خدمة "بريد إلكتروني مصنوع في ألمانيا"، ووعدت بأن تحفظ كل البيانات بعيدا عن الأعين المتلصصة للولايات المتحدة.

وفي فرنسا كان هناك غضب على مستوى الشارع ضد ما يسميه الفرنسيون الـ"غافا"، وهي كلمة مكونة من الحروف الأولى لأبرز شركات التقنية الأميركية "غوغل، آبل، فيسبوك، أمازون".

وعلى المستوى التنظيمي والسياسي فإن السلطات في بعض الدول الأوروبية تطارد شركات التقنية الأميركية، فهيئة مكافحة الاحتكار التابعة للاتحاد الأوروبي تتهم غوغل باستغلال وضعها المهيمن في محركات البحث للترويج لمنتجاتها الخاصة، حتى إن البرلمان الأوروبي صوت مطالبا بتقسيم غوغل إلى أكثر من شركة.

كما قدم مسؤولون أوروبيون العديد من الشكاوى تتجاوز مسألة مكافحة الاحتكار، مثل التهرب من دفع الضرائب ومخاوف الخصوصية. وأصبح للمواطنين الأوروبيين الآن "الحق بأن يُنسوا" بتقديم التماس إلى غوغل لحذف نتائج البحث التي تتعلق بهم. في حين أن الهيئات التنظيمية في هولندا وإسبانيا، من بين دول أخرى، تحقق في ممارسات الخصوصية لشركة فيسبوك.

ومن بين الإجراءات الأخرى إعلان رئيس المفوضية الأوروبية انطلاق "معاهدة ماسترخيت الرقمية" التي تقترح إنشاء "سوق رقمي واحد" في الاتحاد الأوروبي، بهدف طموح هو دعم الاقتصاد الأوروبي بما يعادل 471 مليار دولار و3.8 ملايين وظيفة بحلول نهاية العام 2016.

المهاجرون أو أبناؤهم قد يشكلون فرصة ثمينة لأوروبا لتجديد شبابها ومواهب الأعمال فيها (الأوروبية)

حلول مقترحة
يرى الباحثان باسكار تشاكرافورتي ورافي تشاتورفيدي واضعا "مؤشر التطور الرقمي" في مقال على الموقع الإلكتروني لمجلة "هارفارد بيزنس ريفيو" التي تتبع لجامعة هارفارد الأميركية، أن القارة تشيخ، وأن الهجرة الداعمة للنمو يمكن أن تساعد في تجديد شبابها ومواهب الأعمال فيها.

ووفقا لتقرير لشركة "ماكينزي آند كومباني" الأميركية المتخصصة بالاستشارات الإدارية صدر في يونيو/حزيران الماضي، فإنه إذا عززت أوروبا الهجرة إليها من خارج القارة من 2.6 شخص لكل ألف نسمة سنويا إلى 4.9 أشخاص، فإن ذلك قد يعوض عن الهبوط المتوقع بمعدل 11 مليونا في العمالة القادرة على العمل في 2015.

وإذا قسنا الأمر على وضع المهاجرين في الولايات المتحدة فإنه وفقا لصحيفة الإكونوميست البريطانية فإن أكثر من 40% من الـ500 شركة في قائمة "فورتشن 500" السنوية التي تصدرها مجلة فورتشن، أسسها مهاجرون أو أبناؤهم. وفي حين يشكل المولودون خارج الولايات المتحدة بالكاد ثمن سكان أميركا فإن ربع شركات التقنية الناشئة كان مؤسسها أو الشريك في تأسيسها مهاجرا.

كما يضع الباحثان مقترحات أخرى يرون أنها تساهم في حل مشكلة الركود الرقمي، وهما تطوير ثقافة المجازفة وعدم الخوف من الفشل، حيث أظهرت دراسات أن الأوروبيين الشباب أكثر من غيرهم خوفا من الفشل عندما يتعلق الأمر ببدء مشاريع جديدة.

زيادة حجم الاستثمار في البحث والتطوير، خاصة في مجال الإلكترونيات والبرمجيات وخدمات الإنترنت، وكذلك تسهيل التجارة الإلكترونية بين دول الاتحاد الأوروبي، حيث إنه على سبيل المثال تبلغ تكلفة إرسال طرد من مدينة ميونيخ الألمانية إلى مدينة سالزبورغ النمساوية عدة أضعاف قيمة إرسال الطرد نفسه من ميونيخ إلى برلين، رغم أن المسافة بين المدينتين الأوليين هي 145 كيلومترا مقارنة بـ585 كيلومترا للمسافة بين الأخيرتين.

ويرى الباحثان أنه آن الأوان لأوروبا كي تعتبر من الصمت والأزمة التي تكمن داخلها، ويتعين على قادتها ورجال الأعمال الاستيقاظ من هذا الركود الرقمي ووضع استراتيجية جديدة لعلاجه.

المصدر : مواقع إلكترونية

التعليقات