ستيفان راهمستورف

في نوفمبر/تشرين الثاني 1965 تم تقديم أول تقرير حكومي للرئيس الأميركي ليندون جونسون يتضمن تحذيرا بالمخاطر التي قد تنتج عن حرق كميات كبيرة من الوقود الأحفوري. إن خمسين سنة هي فترة طويلة في السياسة، وعليه فإن من الغريب أنه لم يتم عمل الشيء الكثير منذ ذلك الوقت للتعامل مع التهديد الناتج عن الاستمرار في تصرفاتنا الاعتيادية.

لقد استخدمت اللجنة العلمية الاستشارية لجونسون لغة فيها استقراء للمستقبل بشكل لافت، وذلك عندما حذرت من أن إطلاق ثاني أكسيد الكربون في الجو سوف يؤدي إلى درجات حرارة عالمية أعلى مما سيؤدي إلى ذوبان القمم الجليدية وارتفاع مستويات سطح البحر بشكل سريع.

لقد حذر العلماء من أن "الإنسان يقوم عن غير قصد بعمل تجربة جيوفيزيائية ضخمة"، وأنه "في غضون بضعة أجيال يكون الإنسان قد أحرق الوقود الأحفوري الذي تراكم ببطء في الأرض خلال السنوات الخمسمئة مليون الماضية، وأن التغيرات المناخية التي قد تأتي بسبب الزيادة في محتوى ثاني أكسيد الكربون يمكن أن تكون مؤذية للبشر".

تأثير ظاهرة الاحتباس الحراري معروف في المحافل العلمية منذ أن ذكر الفيزيائي الفرنسي جوزيف فورير عام 1824 أن الغلاف الجوي للأرض يعمل كعازل يحبس الحرارة
الاحتباس الحراري
إن بصيرة اللجنة وبُعد نظرها ليس مفاجئا، فتأثير ظاهرة الاحتباس الحراري معروف في المحافل العلمية منذ أن ذكر الفيزيائي الفرنسي جوزيف فورير عام 1824 أن الغلاف الجوي للأرض يعمل كعازل حيث يحبس الحرارة التي كانت لتهرب لولا وجوده.

وفي العام 1859 أجرى الفيزيائي الإيرلندي جون تايندل تجارب مختبرية لإظهار تأثير ثاني أكسيد الكربون في ارتفاع درجات الحرارة، مما جعل الفيزيائي السويدي الحائز على جائزة نوبل سيفانتي أرهينس يتوقع أن حرق الفحم سيجعل الأرض أكثر دفئا وهو ما اعتبره تطورا إيجابيا.

لم يشعر مستشارو جونسون بالكثير من التفاؤل، فقد توقع تقريرهم بشكل دقيق أن كمية ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي سوف تزيد بنحو 25% خلال القرن العشرين (لقد كان الرقم الفعلي هو 26%)، واليوم فإن تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي أعلى بنسبة 40% مقارنة بنسبته في بداية الثورة الصناعية، وهي أعلى نسبة خلال السنوات المليون الماضية، وذلك كما نعرف من الحفر في جليد القطب الجنوبي.

لقد فندت لجنة جونسون العلمية كذلك الاعتراضات التي ما تزال تستخدم اليوم من قبل أولئك الذين ينكرون مخاطر التغير المناخي، بما في ذلك الادعاء بأن العمليات الطبيعية يمكن أن تكون السبب وراء ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون. لقد أثبتت اللجنة من خلال إظهار أن نحو نصف ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الوقود الأحفوري يبقى في الغلاف الجوي، أن الأرض لا تعمل كمصدر لغازات الدفيئة ولكن كحوض يمتص نصف الانبعاثات.

إن ما لم يعمله مستشارو جونسون هو تقديم توقعات محددة عن مدى تأثير زيادة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي على درجات الحرارة العالمية. لقد ذكروا أنهم بحاجة أولا إلى نماذج أفضل وأجهزة حاسوب أقوى.

تقرير شارني
وقد شكلت هذه الحسابات الأساس للتقرير التاريخي الثاني وهو تقرير "ثاني أكسيد الكربون والمناخ.. تقييم علمي" عام 1979 والذي أعدته الأكاديمية الأميركية الوطنية للعلوم. إن التقرير الذي يعرف على نطاق واسع باسم تقرير شارني نسبة لمؤلفه الرئيسي جول شارني من جامعة أم.أي.تي، يعتبر نموذجا للنقاشات العلمية الدقيقة.
لو لم يتم اتخاذ إجراءات فإن مليارات الناس سيعانون من تداعيات الجفاف وفشل المحاصيل والطقس القاسي. وفي نهاية المطاف فإن ارتفاع مستويات سطح البحر ستغرق المدن الساحلية الكبيرة وتدمر دول الجزر بالكامل

لقد توقع تقرير شارني أن مضاعفة كمية ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي سوف تسخن الأرض بمقدار ثلاث درجات مئوية، هو رقم مثبت اليوم. كما توقع أن السعة الحرارية للمحيطات ستؤخر الاحتباس الحراري لعدة عقود.

إن كلتا النتيجتين تتوافق مع الاحتباس الحراري الملاحظ منذ نشر التقرير الذي خلص إلى نتيجة مفادها "لقد حاولنا ولكننا لم نستطع أن نجد أي تأثيرات مادية تم تجاهلها أو التقليل من شأنها يمكن أن تقلل من الاحتباس الحراري العالمي المقدر حاليا، إلى نسب ضئيلة". ومنذ ذلك الوقت فإن الأدلة العلمية زادت قوة، واليوم فإن النتائج الأساسية المذكورة في هذين التقريرين المبكرين تحظى بدعم أكثر من 97% من علماء المناخ.

لكن ورغم الإجماع العلمي المتزايد خلال السنوات الخمسين الماضية فإن الاحتباس الحراري للأرض يستمر بلا هوادة. لقد زرعت مجموعات ضغط ممولة بشكل جيد بذورَ الشك بين العامة، ونجحت في التهوين من الحاجة الملحة إلى التعامل مع هذا التهديد، وفي الوقت نفسه أعاقت الجغرافيا السياسيه تطوير رد عالمي فعال. لقد تعرقلت مفاوضات المناخ العالمية، والمتوقع أن تتوج بالتوصل إلى اتفاق خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي بالعاصمة باريس في نوفمبر/تشرين الثاني الجاري وديسمبر/كانون الأول القادم بسبب المتطلب المتعلق بتأمين إجماع 195 دولة مشاركة.

لو لم يتم اتخاذ إجراءات فإن مليارات الناس سيعانون من تداعيات الجفاف وفشل المحاصيل والطقس القاسي. وفي نهاية المطاف فإن ارتفاع مستويات سطح البحر ستغرق المدن الساحلية الكبيرة وتدمر دول الجزر بالكامل. إن أكثر السنوات سخونة منذ أن بدأ التسجيل في القرن التاسع عشر هي سنوات 2005 و2010 و2014، ومن المؤكد أن الرقم القياسي للعام الماضي سيتم كسره مجددا هذا العام.

لقد حان الوقت لأن يضع قادة العالم نهاية لخمسين سنة من التردد، حيث يتوجب عليهم اغتنام الفرصة في باريس وأن يضعوا جانبا مصالحهم القصيرة المدى، وأن يتصرفوا أخيرا بشكل حاسم من أجل تجنب كارثة تلوح في الأفق قد تحل بهذا الكوكب.
_______________
*أستاذ فيزياء المحيطات في جامعة بوتسدام، وهو زميل مهني زائر في جامعة نيو ساوث ويلز بسيدني، ورئيس دائرة في معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ.

المصدر : بروجيكت سينديكيت