أمجد قاسم

ازداد الطلب العالمي حاليا على المعادن على اختلاف أنواعها مع زيادة التقدم الصناعي والتكنولوجي، مما حدا بالباحثين عن تلك الثروات الطبيعية إلى البحث عن مصادر جديدة لم تكن مكتشفة من قبل، ولم تكن قيعان البحار والمحيطات التي تغطي 75% من سطح كوكبنا بعيدة عن أنظار هؤلاء الباحثين الذي يتطلعون إلى استثمار خامات كوكبنا أيا كان مكانها.

المداخن السوداء
في قاع منطقة غرب المحيط الهادئ تندفع مواد بركانية حامضية ملتهبة غنية بالمركبات المعدنية الثمينة تشبه المدخنة وحرارتها تصل إلى 350 درجة مئوية، ولدى ملامستها للمياه الباردة تترسب مركبات كبريتية غنية بالزنك والنحاس والفضة والذهب والرصاص، وهي ذات تركيز أكبر بعشرة أضعاف على الأقل مقارنة بالرسوبيات الكبريتية على اليابسة.

ويعود اكتشاف هذه الخامات المعدنية الكبريتية إلى سبعينيات القرن الماضي حيث وجدت على أعماق تبلغ 3700 متر في بيئة ذات تركيز مرتفع من كبريتيد الهيدروجين السام وفي مناطق ذات نشاط بركاني تتحرك فيها الألواح التكتونية لقاع المحيط مما يتسبب في اندفاع الماغما من باطن الأرض نحو قاع المحيط نافثة الغازات السامة والمركبات الكبريتية الغنية بالمعادن والتي قد يصل ارتفاعها إلى أربعين مترا ثم تنهار على نفسها بتأثير وزنها وتتراكم في القاع ككتل ضخمة من معادن خام مصمتة.

ويؤكد الباحثون أنه توجد آلاف المداخن المائية في بحار ومحيطات العالم وأنه قد اكتشف 250 منها حتى الآن تنفث ملايين الأطنان من المعادن الخام الثمينة.

تقدر الدراسات أن نحو 70% من قيعان محيطات وبحار العالم تحتوي على ثروات معدنية، وأن بعض المناطق غنية جدا بتلك الثروات

السعي نحو الثروة
تقدر الدراسات أن نحو 70% من قيعان محيطات وبحار العالم تحتوي على ثروات معدنية، وأن بعض المناطق غنية جدا بتلك الثروات، كالمنطقة الواقعة بين أميركا الوسطى وهاواي التي تقدر مساحتها بخمسة ملايين كيلومتر مربع وتحتوي على نحو 27 مليار طن من الخامات الفلزية المختلفة منها ثلاثمئة مليون طن من النيكل.

لقد اهتمت العديد من الدول بالتنقيب عن تلك الثروات الطبيعية الكامنة تحت سطح الماء ومنها دولة "بابوا نيوغينيا" الواقعة في غرب المحيط الهادئ ذات المساحة الجغرافية الصغيرة، ورغم شح الموارد المعدنية في هذه الدولة فإن لديها مساحات بحرية كبيرة غنية بالثروات المعدنية لم يتم استخراجها واستثمارها حتى الآن.

وقد سعت شركة "نيوتيلوس مينيرالز" التي تتخذ من أستراليا مقرا لها إلى استخراج تلك الخامات المعدنية الهامة، ومن أهم تلك الخامات النحاس والذهب الموجودان على أعماق تصل إلى 1600 متر تحت سطح الماء، وتتطلع الشركة الآن إلى التنقيب عن ثروات معدنية أخرى في مناطق مائية تابعة لنيوزيلندا وفيجي.

من جهة أخرى فقد طورت شركة "دي بيرز" تقنيات خاصة للبحث عن الألماس في قيعان بحار ومحيطات العالم، وتعد هذه الشركة من أهم منتجي هذه الثروة في العالم وتستخرج نصف إنتاجها السنوي من مناجم تقع على أعماق ثلاثمئة متر تحت سطح الماء.

ويذكر أن بحار منطقتنا العربية تحتوي أيضا على احتياطات هامة من الثروات المعدنية وخصوصا في بعض مناطق البحر الأحمر، وقدرت الدراسات أن منطقة "أتلانتس 2 ديب" الواقعة فيه تحتوي على مخزون هائل من الفضة تقدر بنحو 4000 طن بالإضافة إلى كميات كبيرة من النحاس والزنك والرصاص والذهب.

تتسابق كثير من الشركات العالمية إلى تطوير تقنيات خاصة لاستخراج تلك الثروات المعدنية الموجودة في قيعان البحار والمحيطات

أكثر من طريقة
تتسابق كثير من الشركات العالمية إلى تطوير تقنيات خاصة لاستخراج تلك الثروات المعدنية الموجودة في قيعان البحار والمحيطات، خصوصا تلك الموجودة على أعماق كبيرة تتجاوز ألفي متر، وقد اقترح أن تنقل تلك الخامات بواسطة خراطيم ضخمة ورافعات عملاقة تصل إلى القاع ويتم التحكم بها عن بعد، حيث تجرف الخامات المعدنية من القاع وتنقلها إلى سفن شحن عملاقة لإرسالها إلى معامل على اليابسة لاستخراج المعادن الموجودة فيها.

أما الطريقة الثانية فتكون بإنشاء معامل تعدين متكاملة عائمة على سطح الماء تقوم بمعالجة الخامات المعدنية التي يتم جرفها من القاع وبعد الحصول على المعادن الموجودة فيها، يتم التخلص من المواد غير المرغوبة بإلقائها في المياه.

القانون الدولي
و
يتوقع أن تشهد السنوات القليلة القادمة نموا كبيرا في الاستثمارات العالمية من قبل بعض شركات التنقيب لاستخراج الثروات المعدنية القابعة في بحار ومحيطات العالم، وهذا يمكن أن يتسبب بنزاعات بينها من جهة ومن جهة أخرى نزاعات مع الدول التي تدعي ملكيتها لأماكن التنقيب.

من جانب آخر فإن عمليات التنقيب المعدني تحت الماء سيكون لها تداعيات بيئية خطيرة، حيث سوف تتأثر البيئة البحرية مباشرة بسبب عملية التنقيب والحفر والتجريف وما يصاحب ذلك من انبعاث لمواد سامة وخطيرة سوف تقضي على الكائنات البحرية الموجودة في أماكن التنقيب.

عملية التخلص من مخلفات عملية التنقيب سوف تجعل المياه ملوثة وغير صالحة لحياة كثير من الكائنات كالأسماك والعوالق البحرية

أضف إلى ذلك أن عملية التخلص من مخلفات عملية التنقيب سوف تجعل المياه ملوثة وغير صالحة لحياة كثير من الكائنات كالأسماك والعوالق البحرية، وهذا تهديد خطير للنظام البيئي البحري. 

لقد تنبهت الأمم المتحدة إلى العواقب الوخيمة للتنقيب المعدني في بحار ومحيطات العالم، فأنشأت في العام 1994 السلطة الدولية لقيعان البحار ومقرها في جامايكا بناء على قانون البحار الذي يعود إلى العام 1982.

والسلطة الدولية لقيعان البحار تعنى بتنظيم وإدارة كل النشاطات التعدينية والإشراف عليها، حيث تصدر تصاريح خاصة ضمن اشتراطات قانونية يعدها خبراء قانونيون ومتخصصون في علوم الأرض والمعادن وعلوم البحار والمحيطات، حيث تحدد مناطق التنقيب والإشراف على عمل الشركات المنقبة ويرصد جزء من عوائد عملية التنقيب لمساعدة البلاد الفقيرة والنامية وإقامة مشاريع تنموية فيها.

إن السعي نحو الثروات المعدنية في قيعان بحار ومحيطات العالم لا ينبغي أن يكون على حساب البيئة البحرية لكوكبنا، وللوقوف عن كثب على الآثار السلبية الناجمة عن هذه النشاطات البشرية، يجب إجراء كثير من الدراسات الجيولوجية والبيولوجية والبيئية ومراقبة عمل شركات التنقيب التي تسعى نحو الثروة مهما كان الثمن الباهظ الذي سيدفعه النظام البيئي لكوكبنا الأزرق.

______________
* كاتب علمي متخصص في هندسة تكنولوجيا الصناعات الكيميائية

المصدر : الجزيرة