الصغير الغربي

منحت جائزة نوبل للفيزياء لهذا العام إلى الياباني تاكاكي كاجيتا والكندي آرثر ماكدونالد، وذلك تقديرا لأعمالهما بشأن النيوترينو، وهي جسيمات أولية أثبتت أنها تتمتع بكتلة. وهذه هي المرة الرابعة التي تخصص هذه الجائزة للجسيم الذي تعب العلماء في ملاحقته على مدى يزيد عن الثمانية عقود حتى أطلقوا عليه لقب الجسيم الشبح لصعوبة ملاحقته ومعرفة جميع خصائصه وأهمها كتلته الغامضة والشديدة الضآلة التي لم ينجح العلماء في إثباتها إلا مؤخرا.

ويتمتع هذا الشبح بأربع خصائص تميزه عن بقية الجسيمات. فهو متوافر في الكون بكميات مهولة جدا ويكفي أن نشير إلى أن آلاف المليارات منها تخترق أجسامنا كل ثانية مصدرها الشمس والنجوم البعيدة وكذلك المفاعلات النووية. وهو لا يكشف عن وجوده بسهولة بسبب تفاعله شبه المعدوم مع المادة ولا يملك شحنة كهربائية.

الكندي آرثر ماكدونالد الحائز على جائزة نوبل للفيزياء لهذا العام (رويترز)

البدايات
ويعود استنتاج وجود النيوترينو إلى بداية الثلاثينيات من القرن العشرين عندما اقترح عالم الفيزياء الأميركي ولفغانغ باولي حلا لمعضلة فيزيائية تتعلق باحترام مبدأ قانون عدم فناء الطاقة عند تحلل بعض النظائر المشعة من خلال إطلاق أشعة بيتا التي هي عبارة عن إلكترونات.

فعند تحلل العنصر المشع إلى عنصر آخر يحدث فقد معين في الطاقة، والمفروض -احتراما لقانون عدم فناء الطاقة- أن يحمل الإلكترون -المنطلق من نواة الذرة والخارج على هيئة إشعاع بيتا- هذا الفرق في الطاقة، ولكن القياسات بينت أن الإلكترون يحمل طاقة أقل من الطاقة المفروضة خلال التحلل، لهذا افترض وجود جسيم صغير يحمل تلك الطاقة الناقصة.

لكن وضع تصور نظري متكامل لهذا الجسيم يعود للعالم الإيطالي أنريكو فرمي سنة 1933 الذي كان أول من أطلق اسم "نيوترينو" على هذا الجسيم أو النيوترون الصغير في اللغة الإيطالية في إشارة للشبه الذي يجمعه مع النيوترون أحد مكونات الذرة لكونه لا يحمل شحنة كهربية وتم تصنيفها ضمن عائلة الليبتونات التي تضم الإلكترونات إضافة إلى جسيمات الميون والتاون غير المستقرة.

وقد استغرقت رحلة اكتشاف النيوترينو -بأصنافه الثلاثة، أو نكهاته الثلاث المعروفة وهي نيوترينو/الإلكترون، ونيوترينو/الميون، ونيوترينو/التاون- فترة تناهز النصف قرن. فقد تم إثبات وجود الصنف الأول سنة 1956 على يد الفيزيائيين الأميركيين فريدريك رانز وكلايد كوان وحصل رانز بسبب ذلك على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1995 (كان كوان قد توفي سنة 1974 لذا لم يحصل على الجائزة). ولم يتم الإعلان عن اكتشاف النوع الثالث إلا في يوليو/تموز من سنة 2000.

الياباني تاكاكي كاجيتا الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لهذا العام بالتشارك مع الكندي ماكدونالد (رويترز) 

صيد الأشباح
ورغم أن البحوث النظرية كثيرا ما تنير الطريق أمام الأبحاث التجريبية في هذا المجال فإن عمليات الكشف تجريبيا عن النيوترون من خلال إنشاء مراصد له تحت الأرض لاصطياده كانت بطيئة جدا. فهو لا يأبه بالجاذبية لضآلة كتلته ولا بالقوة الكهرومغناطيسية لانعدام شحنته الكهربائية ولا بالقوة النووية القوية.

فأول عملية كشف -صيد- ناجحة تمت في أواخر الستينيات وكانت النيوترونات مصدرها الشمس. ولم تكلل عمليات الكشف عن الجسيمات القادمة من الفضاء السحيق إلا بعد عقدين من ذلك بمناسبة اندلاع المستعر الأعظم "سوبرنوفا إس إن198" سنة 1987، رغم إنشاء العديد من المراصد في أنحاء مختلفة من العالم واستخدامها طرقا متنوعة في رصد هذه الأشباح.

وقد اعتمد كل من كاجيتا وماكدونالد -المتوجان هذه السنة بجائزة نوبل في الفيزياء- على مرصدين أنشئا في التسعينيات من القرن الماضي وهما عبارة عن مسبحين عملاقين تحت الأرض إذ يحتوي المرصد الياباني سوبر كاميوكاند على خمسين ألف طن من الماء، ومرصد سادباري الكندي على ألف طن من الماء الثقيل.

ويفترض العلماء أنه من بين مليارات النيوترونات التي تعبر هذين الخزانين قد يصطدم أحدها بذرة من مكونات الماء وعندها يصدر إشعاع يتم رصده بآلاف اللاقطات الضوئية التي تغطي الجدار الداخلي للمرصد.

وبمقارنة النتائج التجريبية تبين أن أعداد النيوترينو القادمة من الشمس من فئة -نكهة- معينة تبدو أقل مما كان متوقعا مقارنة بالحسابات النظرية، في المقابل فإن أعداد النيوترينو من نكهة أخرى كانت أكبر. وقد خلص العلماء بناء على هذه النتائج إلى أن هذا الجسيم المراوغ يتذبذب ويتحول من نكهة إلى أخرى أثناء رحلته من المصدر إلى غاية وصوله إلى الأرض وهو ما يدل على امتلاكه لكتلة.

وفكرة امتلاك اليوترون لكتلة ليست جديدة وكانت مطروحة منذ سنوات عديدة إلا أن أعمال كاجيتا وماكدونالد قدمت دليلا قاطعا على ذلك.

وبحصول العالمين الياباني والكندي على نوبل للفيزياء يكون الجسيم الشبح قد حصد لوحده أربع جوائز كان أولها سنة 1988 وحصل عليها ثلاثة علماء أميركيين على رأسهم ليون لدرمان وثانيها سنة 1995 كما سبق الإشارة إليه أما الثالثة فكانت سنة 2002 من نصيب الأميركي ريموند دايفس والياباني كوشيبا لريادتهما في مجال الكشف عن النيترونات القادمة من أعماق الكون.

ورغم كل هذا التتويج فما زال النيوترون لم يبح بكل أسراره. فكيفية تذبذبه بين نكهة وأخرى من النكهات الثلاث المعروفة ما زالت مجهولة. كما أن وجود نكهة رابعة ليس أمرا مستبعدا حسب بعض العلماء.

كما يتوقع العلماء أن كشف مزيد من أسرار هذا الجسيم سيتيح كشف ما ظل مجهولا إلى اليوم. فقدرته على اختراق المادة قد تساعدنا مثلا على كشف باطن الأرض والأجرام السماوية التي سيصادف وجودها في طريقه نحو الأرض. وهم يدركون أن جهود ترويض هذا الشبح المضنية ستأتي بثمارها عاجلا أم آجلا، وأن جائزة نوبل للفيزياء قد تكون أقرب منالا بواسطته.
________________
*إعلامي تونسي متخصص بالشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة