فرانك ويلكزك

تناسق وإنتاجية
جمال القانون
الوضوح

ذات يوم، وصف عالِم الفيزياء هاينريش هيرتز من القرن التاسع عشر شعوره بأن معادلات جيمس كليرك ماكسويل، التي تصف أساسيات الكهرباء والمغناطيسية "مستقلة الوجود، وتتمتع بذكاء خاص بها، وأكثر حكمة... حتى من مكتشفيها، وهو ما يسمح لنا بأن نستخلص منها أكثر مما وُضِع فيها في الأصل".

وبعد فترة ليست بالطويلة، وصف ألبرت أينشتاين نموذج نايلز بوهر الذري بأنه "أعلى أشكال الحس الموسيقي في عالم الفِكر". وفي وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، أعلن ريتشارد فايمان الحائز على جائزة نوبل، في معرض وصفه لاكتشافه لقوانين الفيزياء الجديدة "يمكنك أن تتعرف على الحقيقية من جمالها وبساطتها". ومثل هذه المشاعر عالمية بين علماء الفيزياء الحديثة.

الواقع أن التفكير القائم على التمني ما كان لينتج لنا أبداً أجهزة الآيفون، أو صور الكوكب بلوتو، أو القنابل الذرية. فالفيزياء -كما تلخصه حفنة من القوانين الدقيقة رياضيا- تعمل بلا منازع. ومع هذا فإن العديد من الأمور التي "تعمل" لا تلهم ذلك النوع من الإعجاب الذي تلهمه القوانين الأساسية للطبيعة.

بوسعك أن تكتب المعادلات للنظريات الرئيسية في الفيزياء -والمعروفة بالنموذج القياسي- على قميص. ومثلما قال هيرتز، ما ترده لنا أكثر من كل ما نضعه فيها

تناسق وإنتاجية
وتمتد جذور هذا الجمال أولاً في تناسق القوانين، وهو ما يعني هنا إمكانية التغيير من دون تغيير -وهو مفهوم دقيق ولو أنه يكاد يكون غامضاً ملغزا. فتماماً كما يمكن لأي دائرة أن تدور حول مركزها في أي زاوية، وتغيير وضع كل نقطة من نقاطها دون أن يتغير شكلها، فإن القوانين المتناسقة تنطبق على مواقف متغيرة من دون أن تتغير أو تفقد صلاحيتها.

على سبيل المثال، تؤكد النسبية الخاصة أن القوانين الأساسية للفيزياء تظل هي ذاتها عندما ننظر إلى العالم من منصة تتحرك بسرعة ثابتة. وعلى نحو مماثل، يعمل ما يسمى "تناظر ترجمة الزمن" على ترميز وحدة القانون الفيزيائي في الزمن. وحتى مع تقدم الكون في السن، تظل القوانين ثابتة.

ويتمثل المصدر الثاني للجمال في قوانين الفيزياء في إنتاجيتها -وهو ما أسميه وفرتها، فحفنة من المبادئ الأساسية تولد ثروة مذهلة من النتائج- فبوسعك أن تكتب المعادلات للنظريات الرئيسية في الفيزياء -والمعروفة بالنموذج القياسي- على قميص. ومثلما قال هيرتز، ما ترده لنا أكثر من كل ما نضعه فيها.

من المهم أن نلاحظ أن قوانين الفيزياء لا ينبغي لها بالضرورة أن تحمل مثل هذه الخصائص الرائعة. ولنتأمل هنا هذه الحالة الافتراضية: تعمل التطورات في قوة الحاسوب، والواقع الافتراضي، والذكاء الصناعي على تمكيننا من خلق كائنات واعية يتألف "عالمها"، من منظورنا، من محاكاة مبرمجة.

فإذا بدأ "سوبر ماريو" المدرك لذاته في تحليل القوانين التي تحكم عالمه، فسوف يجد قدراً ضئيلاً للغاية من التناسق والإنتاجية. بل سوف يجد بدلاً من ذلك مجموعة واسعة من القوانين غير التقليدية التي لا ترتبط فيما بينها بإحكام، وتعكس أهواء المبرمج.

جمال القانون الفيزيائي مبهر إلى الحد الذي يجعل من غير الممكن أن يكون عَرَضيا

جمال القانون
إن جمال القانون الفيزيائي مبهر إلى الحد الذي يجعل من غير الممكن أن يكون عَرَضيا. وقد دفع هذا الناس على مر التاريخ إلى الاعتقاد بأن هناك "خالق" حسن الذوق خلقنا، وأننا نعيش في عالم ذي تصميم واع، مثل عالَم سوبر ماريو النظري.

ولعل الإجابة تكمن داخلنا. فالأشياء الجميلة هي تلك التي نجد فيها المتعة ونسعى إلى الحصول عليها. وهي، بعيداً عن مصطلحات البيولوجيا العصبية، أشياء تحفز نظام المكافأة لدينا. وهذا يفسر لماذا يميل الآباء إلى رؤية الجمال في أطفالهم الصغار، ولماذا ينجذب البالغون إلى الحسناوات وصورهن. فمن المنطقي من الناحية التطورية أن تكافأ مثل هذه المشاعر.

الواقع أن المنفعة التطورية الكامنة في جمال القوانين الفيزيائية أقل وضوحا، ولكنها حقيقية بنفس القدر. فنظراً للفائدة المكتسبة من التقييم الدقيق للعواقب المترتبة على أفعالنا، تطور نظام المكافأة في البشر حتى يتسنى لنا أن نستخلص المتعة من التوصل إلى تكهنات ناجحة.

ومن الممكن أن يساعدنا فهمنا للقوى والأنماط التي تحدد عالمنا في تحسين توقعاتنا. وقدرتنا على استنتاج سلوك أشياء أو أنظمة معقدة من خلال معرفة أجزائها -وأننا نحصل منها على أكثر مما نضعه فيها- من الممكن أن تساعدنا في صقل توقعاتنا إلى مستويات أبعد.

الارتباط العميق بين الجمال والوضوح يشكل مصدراً متزايد الأهمية للتقدم العلمي

الوضوح
باختصار، لأن التطور يهيئنا لاكتشاف الجمال في تلك الأشياء التي تساعدنا في فهم العالم بشكل صحيح، فليس من قبيل المصادفة أن نجد القوانين الصحيحة التي تحكم الطبيعة جميلة. ومن هذا المنظور، فإن الجمال الواضح في قوانين الفيزياء -انجذابنا لتناسقها ووفرتها- ليس بالأمر المستغرب.

ولكن ما يظل غامضاً هو السبب الذي يجعلها مفهومة. الواقع أن الارتباط العميق بين الجمال والوضوح يشكل مصدراً متزايد الأهمية للتقدم العلمي. فحدود الفيزياء الأساسية اليوم بعيدة تماماً عن التجربة اليومية. فمن الصعب والمكلف الوصول إليها تجريبيا، ونحن لا نستطيع أن نعتمد على حدسنا لملء الفراغات. وبالتالي فإن التراكم الصبور للحقائق كما أوصى فرانسيس بيكون، وإسحق نيوتن، وشرلوك هولمز لم يعد عمليا.

وبدلاً من ذلك، نعكس العملية بالاستعانة بالتخمين لتحفيز التجربة. فنحن أولاً نبني معادلات جميلة، ثم نستخلص نتائجها، وأخيرا، نعمل على صياغة التجارب لاختبارها. وقد أثبتت هذه الإستراتيجية في العقود الأخيرة نجاحاً مذهلا. فقد أعطتنا الديناميكا اللونية الكمية، التي تحل المشكلة المركزية في الفيزياء النووية، فضلاً عن التنبؤ بجسيم هيغز وأشياء أخرى كثيرة.

وبدلاً من إدراك الجمال في القوانين المكتشفة خلافاً لذلك، فنحن نستخدم مبادئ الجمال -التناسق الواسع ونسبة عالية من الناتج مقارنة بالمدخلات- لتمكين الاكتشاف. وعندما ينجح هذا، فإننا نخرج بتفسير "بشري" لجمال القوانين. فلو لم تكن جميلة فما كنا لنجدها.
____________
فرانك ويلكزك: أستاذ الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2004.

المصدر : بروجيكت سينديكيت