*د. يعرب الدوري

يصعب على كثير من الدول -خصوصا الساحلية منها- الحصول على مياه صالحة للشرب، كما تشير الإحصائيات إلى أن نحو 780 مليون شخص لا يحصلون على مياه شرب نظيفة، إلا أن تقنية النانو (نانوتكنولوجي) توفر حلا لتلك الأزمة.

ففي حين تُستخدم عملية الترشيح النانوي لإزالة الملوثات المختلفة من مصادر وموارد المياه، فهي تُستخدم أيضا في تحلية المياه باستخدام الترشيح النانوي البوليمري بالتزامن مع عملية التناضح العكسي لمعالجة المياه الجوفية.

وتعتبر طرق الترشيح النانوي للحصول على المياه النظيفة الصالحة للشرب رخيصة وغير مكلفة مقارنة بأنظمة معالجة المياه التقليدية.

ويعد توفير مورد دائم للمياه الصحية الصالحة للشرب إحدى أولويات الحياة الصحية السليمة، إلا أن الأمراض الناجمة عن تلك المياه الملوثة تمثل سببا رئيسيا كامنا وراء العديد من حالات الوفاة في أرجاء مختلفة من العالم.

وقد كشفت الأبحاث أن البكتيريا تختفي بعد التعرض للألياف النانوية، وفي الوقت ذاته أثبتت المبيدات الحيوية التي تحوي الجسيمات النانوية المعدنية والمواد النانوية نجاحها في الاندماج مع الألياف النانوية محققة نشاطا عاليا مضادا للميكروبات واستقرارا في الماء.

تقنيات تحلية المياه
ابتدأت الأفكار الخاصة بتطوير تقنيات تحلية المياه باستخدام الطاقة الشمسية، حيث بادرت الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي في مصر بتنفيذ مشروع تجريبي لتحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية، مما يساعد على خفض التكلفة بنسبة 50%، والتمكن من الاعتماد على المزيد من تحلية مياه البحر كمصدر بديل لمياه النيل في المستقبل القريب.

كما قررت الشركة زيادة الاعتماد على تحلية مياه البحر لخدمة محافظات مصر الساحلية، بدل الاعتماد على نهر النيل، بالإضافة إلى أن زيادة الاعتماد على المياه المحلاة سيساهم في سد النقص في نصيب الفرد من المياه سنويا وتقليل تكلفة الإنتاج.

ونظرا للملوثات البيئية للمياه مع الانفجار السكاني والتوسع العمراني والصناعي وزيادة متطلبات الحياة المختلفة، تظهر الحاجة الملحة لتقنية جديدة هي النانوتكنولوجي القادرة على مواجهة الفيروسات المعروفة التي تتراوح أطوال أقطارها بين عشرين نانومترا و14 ألف نانومتر.

وبالإمكان تصنيع مرشحات ذات مسام لا تتجاوز أطوال أقطارها عشرين نانومترا، تقوم بتمرير المياه عن طريق ما يعرف بالضغط الأسموزي حيث تحجز البكتيريا والفيروسات من المرور، منتجة مياه صحية ونقية نافعة للبشر والبيئة.

أنابيب ضغط تستخدم لتحلية مياه البحر بالتناضح العكسي في إحدى محطات تحلية المياه الأميركية (أسوشيد برس)

مبادرة عُمانية
مما يشاد به هو تأسيس جامعة السلطان قابوس بن سعيد برنامجا بحثيا للنانوتكنولوجي في مجال تحلية المياه ليكون نواة تهدف إلى ربط الباحثين بالجامعة بنظرائهم من العالم في مجال تحلية المياه، وبناء القدرات البحثية ونواة لإنتاج وتسويق النانوتكنولوجي لتحلية المياه للدول المحتاجة للمياه الصالحة للشرب.

ومن التحديات المثيرة هو ما قام به أحد المهندسين الشباب في فلسطين بتنفيذ مشروع لتحلية مياه البحر عبر جهاز صممه لمواجهة أزمة المياه الحادة في قطاع غزة الذي ستصبح المياه الجوفية فيه غير صالحة للاستعمال بحلول عام 2016.

حيث تمكن الشاب من توفير الدعم المالي لمشروعه بعد الاتفاق مع مركز "أبحاث الشرق الأوسط لتحلية المياه" في سلطنة عُمان لإنجاز تصميم جهاز التحلية، لإنشاء محطة تحلية مناسبة تعمل بتقنية التناضح العكسي "النانو"، وقد تمكّن من إقناع شركة محلية بإنجاز أول تطبيق عملي لاختراعه بإقامة مصنع متواضع ومحطة تحلية صغيرة تنتج ألف كوب يوميا مما يمكنهم من الاستغناء عن محطات تنقية المياه المستوردة من الخارج.

براءة اختراع سعودية
كما قام فريق بحثي من مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بتسجيل براءة اختراع لطريقة جديدة لتحلية المياه باستخدام النانوتكنولوجي مطورين أغشية جيدة بإمكانها تنقية الماء من الأملاح والمواد السامة بكفاءة وسرعة عاليتين.

وتعد تلك الأغشية المعتمدة على الضغط الأسموزي العكسي من أهم الاكتشافات في مجال تنقية المياه وتحليتها، لمقاومة الكلور، مما يجعلها ملائمة لاستخدامها في إزالة المواد السامة، وعدم تراكم البكتيريا.

وتصنف منتجات النانوتكنولوجي في معالجة وتنقية المياه إلى ثلاثة أنواع: هي مرشحات غشائية بمسامات نانو مترية، وحبيبات نانو مترية ماصة للسموم والملوثات، وحبيبات حفازات نانو مترية مفتتة للسموم والملوثات. كما وفرت التقنية منتجات خدماتيه مفيدة عبارة عن أجهزة تحسس بمقاسات نانومترية تؤدي مهام استكشاف وتعرف على الكائنات الجرثومية.

أميركي يستعرض طريقة يدوية لتحويل المياه المالحة إلى عذبة (رويترز)

إنجاز مصري
كذلك تمكّن فريق بحثي من الجامعة الأميركية في القاهرة من إنتاج غشاء مهجن من مركبات النانو لتحلية المياه، معتمدا عملية التناضح العكسي لحبس الأملاح على جانب من الغشاء، ومرور المياه العذبة إلى الجانب الآخر. كما يمكن إعادة تدوير الأملاح لاستخدامها في الأغراض الصناعية، بينما يتم استخدام المياه الناتجة في الشرب والزراعة.

ولكن ما يميز الغشاء هو تكوينه المهجن والمتضمن أنابيب كربون نانونية مع مواد أخرى مما يسمح بتدفق المياه بداخلها بسرعة فائقة، حيث يتم زيادة كميات المياه المارة بنحو 50% للأغشية بدون انخفاض في كمية الأملاح التي يتم احتباسها على خلاف الأغشية التقليدية التي تصنع من مواد بوليميرية مسامية حيث كلما صغر حجم المسام احتبس المزيد من الأملاح، لكن كميات المياه التي تمر تكون قليلة. ويتم إعداد هذا الغشاء بطريقة بسيطة فنياً، وأكثر توفيراً في التكلفة مقارنة بالأغشية التقليدية.

الرعاية الرسمية
يعتبر توجيه الحكومات وأصحاب القرار ضرورة ملحة في بدء استخدام النانوتكنولوجي لزيادة الموارد المائية بعد دخولنا في مرحلة الفقر المائي، وقد أصبحت التنمية المستدامة والشاملة للموارد المائية وإدارتها من الأمور بالغة الأهمية لتجنب أزمات مستقبلية تنجم عن نقص المياه كماً وكيفاً نتيجة لتدهور مستمر في نوعية المياه السطحية والجوفية. 

وبالإمكان النزول بسعر التكلفة في التحلية للمتر المكعب الواحد من المياه المالحة من دولار أميركي واحد إلى ربع دولار فقط بما يحسّن المجتمع والاقتصاد الوطني.
______________
* أستاذ جامعي وباحث علمي، عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات.

المصدر : الجزيرة