فداء ياسر الجندي

دارون يقر ببطلان نظريته

"دارونيون" أكثر من دارون

الانفجار المعلوماتي الأكبر

وماذا بعد؟

ليس المقصود بالعنوان هو الانفجار الهائل للمعلومات الذي حدث في العقود الأخيرة، وكان من نتائج الثورة الحاسوبية حتى غدت المعلومات والبرمجيات تتدفق على مدار الساعة من كل فج عميق بما يستعصي على المتابعة، ولولا تطور أدوات التخزين الرقمي القادرة على حفظ المعلومات والبرمجيات وتصنيفها واستدعائها بسرعة لوقعنا في فوضى معلوماتية يصعب تخيلها، فنحن اليوم نعيش في عصر أكبر انفجار معلوماتي في تاريخ البشر.

أما ما نحن بصدده فهو أكبر انفجار معلوماتي في تاريخ الأرض، والأرض كما هو معلوم موجودة قبل وجود البشر عليها بمئات الملايين من السنين، وأكبر انفجار معلوماتي حصل عليها كان قبل حوالي 500 مليون سنة! ولنبدأ القصة من أولها.

الظهور "الانفجاري" للكائنات الحية
في ذلك الزمان السحيق، ظهرت على الأرض وبشكل مفاجئ أدهش العلماء اليوم آلاف من الكائنات الحية التي لم تكن موجودة من قبل، وبعد أن كانت الأرض خالية من الحياة، إلا من بعض الأحياء القليلة مثل البكتيريات ووحيدات الخلية، إذا بها تغص وخلال أقل من دقيقتين بكائنات متعددة متنوعة من معظم فصائل الأحياء المعروفة اليوم.

مقارنة توضح تماثل دماغ نوعين من الكائنات الموجودة في العصر الكامبري (رويترز)

دقيقتان؟ نعم، فالأمر نسبي، إذ يقدر العلماء أن عمر الحياة على الأرض يقارب أربعة مليارات من السنين، أي أربعة آلاف مليون سنة، والفترة التي استغرقها ظهور هذه الكائنات تتراوح حسب آخر وأدق تقديرات العلماء ما بين خمسة وعشرة ملايين سنة، وهذا الرقم ليس إلا "ما بين طرفة عين وانتباهتها" بالنسبة للعصور الجيولوجية، فلو فرضنا أننا ضغطنا عمر الحياة منذ ظهورها حتى اليوم إلى يوم واحد من 24 ساعة، فإن المدة التي استغرقها ظهور هذه الكائنات هي أقل من دقيقتين! ليس هذا فقط، بل إن أكثر من 20 ساعة من هذا اليوم مرت (ثلاثة مليارات ونيف من السنين)، ولم يكن على الأرض من مظاهر الحياة إلا وحيدات الخلية، ولكن بعد الساعة العشرين وقبل الساعة الحادية والعشرين وخلال دقيقتين فقط أصبحت الأرض تغص بالآلاف من أنواع الكائنات من مختلف الفصائل، وتكاثرت هذه الأنواع وانتشرت ذرياتها بالملايين في قاع المحيطات، إذ كانت المحيطات تغطي معظم مساحة الكرة الأرضية آنذاك.

يسمي علماء الجيولوجيا والأحياء هذه الفترة الجيولوجية "العصر الكامبري"، ويجمعون على أن ما حصل في هذا العصر هو "انفجار" ويسمونه "الانفجار الكامبري"، نظرا للعدد الهائل من الأحياء الذي ظهر بصورة تعد مفاجئة وسريعة، وقد عثر علماء الجيولوجيا على مئات الآلاف من الأحافير في الطبقات الجيولوجية التي تعود لذلك العصر، الذي يفصله عنا أكثر من 500 مليون سنة، وأشهر مواقع تلك الطبقات موجودة في بريطانيا وكندا وأستراليا، وآخرها اكتشافا كان في الصين.

ولم يكن عدد الكائنات التي ظهرت وتنوعها هو المصدر الوحيد لدهشة العلماء، بل ما أثار حيرتهم هو أن الكثير منها حيوانات معقدة تملك أجهزة كاملة، ويضربون مثلا لذلك بأيقونة العصر الكامبري ذلك الحيوان البحري العجيب الذي يسمونه "ثلاثي الفصوص"، وهو حيوان معقد ظهر فجأة في طبقات الأرض وهو مشابه جدا لبعض الحيوانات البحرية التي تعيش اليوم -وهذا وحده يدحض نظرية التطور-، وأهم ما يميزه أنه يتألف من فصوص ثلاثة: رأس وجسم وذيل، وجسمه مغطى بطبقة قاسية قشرية مثل التي تغطي حيوان السرطان اليوم، وهذه القشرة تتألف من قطع متوازية قد يصل عددها إلى ثلاثين، يتصل بكل قطعة منها زوج من الأرجل، وله فم وقرنان من قرون الاستشعار في مقدمة رأسه، وله أحشاء تضم جهاز تنفس وجهاز هضم وجهازا عصبيا، وكلها أجهزة متقدمة غاية في التعقيد، وأعجب ما فيه، وهو ما زاد من حيرة ودهشة الدارونيين، أن له عينين على درجة عالية من التعقيد والكمال، تتألف كل منهما من عدد ضخم متراص من العدسات سداسية الشكل -تشبه عيون النحل التي نعرفها اليوم- وتتيح له طريقة توضع عينيه في أعلى رأسه رؤية كاملة بزاوية 360 درجة، وهي أول عين معروفة لكائن حي، رغم تقدمها وكمالها -وهذا وحده يدحض نظرية التطور أيضا!-.

ومع أن الأحافير التي وجدت تدل على أنه كان منتشرا بأعداد تقدر بمئات الملايين في عصره، فقد عجز العلماء تماما عن إيجاد أي سلف يمكن أن ينسب له في طبقات الأرض السابقة على وجوده، حتى قال بعضهم "كأنه مزروع في الأرض زرعا".

دارون يقر ببطلان نظريته
في كتابه أصل الأنواع، يؤكد دارون أنه -حسب نظريته- فإن الطفرات المفيدة المسؤولة عن التغيرات الدائمة في الأحياء هي طفرات طفيفة ونادرة، وتحصل على فترات زمنية متباعدة، وأن تطور الكائنات الحية يحصل بتراكم هذه الطفرات عبر فترات زمنية طويلة تمتد لملايين السنين، أما الطفرات المفاجئة والكبيرة فغالبا تؤدي إلى التشوه أو الموت، أي إن تشكل كائن حي معقد وكامل الأعضاء والوظائف يحتاج إلى دهور سحيقة وتراكم عدد هائل من الطفرات الطفيفة، لذلك فقد أدرك دارون أن ظهور مخلوق مثل ثلاثي الفصوص ابتداء من حيوان وحيد الخلية عن طريق الطفرات العشوائية والاصطفاء الطبيعي اللذين تقوم عليهما نظريته، يحتاج إلى عدد هائل من الكائنات الانتقالية، والتي يظهر كل منها بعد كل طفرة من عدد هائل من الطفرات التي تحدث عبر دهور سحيقة.

كائن يتوقع أنه عاش على الأرض قبل 520 مليون سنة (رويترز)

لذلك، يقول دارون في كتابه أصل الأنواع "إن كانت نظريتي صحيحة، فليس هناك أدنى شك في أنه قبل ترسب طبقات العصر الكامبري، مرت فترة زمنية هائلة، قد تزيد مدتها عن الزمن الذي يمتد من العصر الكامبري حتى اليوم -أي أكثر من خمسمائة مليون سنة- وخلال هذه الفترة كانت الأرض تغص بالكائنات الحية، التي تطورت عنها كائنات العصر الكامبري". ويضيف: "هناك صعوبة كبيرة في تفسير غياب كمية هائلة من الأحافير التي كانت حسب نظريتي موجودة دون شك قبل العصر الكامبري"، وعندما طالبه علماء عصره بتفسير لغياب الأحافير في هذا العصر قال: "ليس لدي أي جواب مقنع ومُرض لعدم العثور على أية أحافير متوضّعة تحت طبقات العصر الكامبري".

ومعنى كلام دارون بوضوح شديد، أنه إذا لم يثبت أن الأرض كانت تغص بالكائنات الحية، في العصر ما قبل الكامبري، فإن نظريته تكون غير صحيحة، وقد ثبت كما أسلفنا أن الأرض في العصر ما قبل الكامبري لم يكن فيها من أحياء إلا وحيدات الخلية، أو كائنات بسيطة مجهرية، فنظرية دارون إذن غير صحيحة حسب رأي دارون نفسه!!... ولكن..

"دارونيون" أكثر من دارون
لقد كان لغز العصر الكامبري سببا لانتقاد شديد لنظرية دارون من علماء عصره، وعلى رأسهم عالم سويسري شهير هو لويس أغاسيز الذي يعد من أعلام زمانه ومن أعظم علماء الجيولوجيا المختصين بالأحافير في كل العصور.

فقد أعلن أغاسيز أن سجل الأحافير في العصر الكامبري يشكل عقدة لا حل لها في وجه نظرية دارون، ويقول أغاسيز في كتابه "التطور واستقرار الأنواع": "إن الصورة التي يرسمها دارون لتاريخ الأحياء تتناقض تماما مع ما تخبرنا به بقايا الأحياء وأحافيرها المدفونة في طبقات الأرض المختلفة، فهي وحدها قادرة على أن تقص علينا بوضوح تاريخ ظهورها عبر الدهور، فدعونا نستمع لها فهي شاهد العيان الذي كان موجودا في ساحة الحدث".

ولكن الذين استهوتهم نظرية دارون لم يقتنعوا بما قال صاحب النظرية نفسه، وبما قاله معاصروه من العلماء أمثال أغاسيز وغيره، وأهملوا تماما كل رأي مخالف مهما كانت أدلته دامغة، وراحوا يلتمسون الأعذار الواهية، فقالوا إن أحياء العصر الكامبري كلها مائية وكانت تعيش في المحيطات، فلا بد أن أحافير أسلافها مدفونة في طبقات الأرض تحت المحيطات، فلما تقدم العلم وقامت شركات النفط بالحفر في قاع البحار لم تجد أي شيء مما زعموه.

صورة تكشف أحد أقدم القشريات فوق الأرض في العصر الجوراسي (أسوشيتد برس)

والضربة القاضية لهذه الفكرة كانت عندما قامت الأقمار الصناعية بمسح مغناطيسي لقشرة الأرض لتحديد أعمار طبقاتها، فتبين أن الطبقات الجيولوجية المترسبة في قاع المحيطات تعود للعصر الجوراسي، وهو أحدث من العصر الكامبري بمئات الملايين من السنين.

فهرشوا رؤوسهم وبحثوا عن عذر جديد وقالوا: إن معظم الأحياء الموجودة في أحافير العصر الكامبري لها أجزاء صلبة، مثل الدرع الذي يغطي ثلاثي الفصوص، وهذه الأجزاء هي التي حفظت، فلا بد أن أسلافها كانت طرية، وليس لها أجزاء قاسية، فلم تتمكن طبقات الأرض من حفظها، وكان قولهم هذا مقبولا قبل اكتشاف حفريات العصر الكامبري في الصين، ولكن بعد الكشف الصيني، وجد العلماء هناك الآلاف من أحافير الأحياء الطرية محفوظة بشحمها ولحمها وأحشائها في طبقات الأرض، وكلها تعود للعصر الكامبري، فثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الأرض قادرة على حفظ الأحياء الطرية، ولو كان هناك أحياء طرية معقدة يمكن أن تكون أسلافا لكائنات العصر الكامبري موجودة قبل ذلك العصر، لحفظتها الأرض فيما حفظت من أحافير لكائنات طرية، وهكذا سقطت حجتهم الأخيرة، ثم كانت الضربة القاضية باكتشاف الحمض النووي.

الانفجار المعلوماتي الأكبر
كان العلماء في عصر دارون يظنون أن الخلية الحية ليست إلا مادة هلامية محاطة بغلاف رقيق، ولم تكن لهم أدنى فكرة عما يجري بداخلها، ولكن بعد تقدم العلم واكتشاف المجاهر الإلكترونية وغيرها من وسائل البحث العلمي الحديثة، وبعد التقدم الهائل في علم الجينات، اكتشف العلماء أن كل خلية عالم قائم بذاته، وأن الأحماض النووية الموجودة في الخلايا ليست إلا مخازن هائلة للمعلومات والبرمجيات، لا تدانيها في ضخامتها وتعقيدها أية وسيلة تخزين أو برنامج حاسوبي يعرفه البشر، وقد تناولنا ذلك بالتفصيل في مقال سابق، وأصبح العلماء يعرفون أن إنشاء أي كائن حي معقد، مثل ثلاثي الفصوص مثلا، يحتاج إلى كمية هائلة يصعب تصورها من المعلومات، ذلك أن كل بروتين يوجد في الكائن الحي يحتاج تركيبه إلى معلومات وبرامج، وكذلك تركيب البروتينات والخلايا لتشكيل الأنسجة المختلفة، ثم تركيب الأنسجة لتشكيل الأعضاء، ثم اتحاد الأعضاء المختلفة لتشكيل الأجهزة مثل جهاز الهضم والتنفس والجهاز العصبي، وغيرها، ثم طرق وآليات عمل تلك الأجهزة، ثم تناغم تلك الأجهزة لتعمل دون تضارب وتحقق الحياة الآمنة للكائن الحي، مثل تفاعل الأطراف مع الجهاز العصبي، أو نقل الرؤية من العين إلى مراكزها في الأعصاب وغير ذلك، كل هذه الأمور وغيرها كثير يحتاج إلى معلومات وبرمجيات، بعضها اكتشفه العلماء وهو مخزن في الحمض النووي على شكل جينات، وبعضها ما زال البحث جاريا عنه.

صورة لأحفورية جناح ليعسوب مجهول حتى الآن يعود لـ148 مليون سنة (أسوشيتد برس)

فإذا حاولنا حساب المعلومات اللازمة لإنشاء هذا العدد الضخم المتنوع من الكائنات التي ظهرت فجأة في العصر الكامبري، انطلاقا من وحيدات الخلية -على زعم دعاة التطور- فقد تعجز آلاتنا الحاسبة لأن الأرقام ستكون فلكية هائلة، وسنرى أن كل المعلومات، التي تختزنها حواسيب الأرض اليوم لا تعادل جزءا منها، وأن ما حدث آنذاك هو بحق ودون مبالغة أكبر انفجار معلوماتي في تاريخ الأرض.

وماذا بعد؟
كيف ظهرت هذه المعلومات من لا شيء؟ نعم لا شيء، فلم يوجد على الأرض قبل هذه العصر إلا وحيدات الخلية، أو كائنات مجهرية بسيطة، لا أعضاء لها ولا أجهزة ولا أطراف، ولو حسبنا رياضيا نسبة المعلومات اللازمة لبناء وحيد الخلية إلى المعلومات اللازمة لبناء ثلاثي الفصوص لكانت النتيجة متناهية في الصغر لدرجة يعدها العلماء صفرا.

هل يعرف البشر والعلماء والعقول مصدرا آخر لظهور مثل هذه المعلومات والبرمجيات، بهذه الدقة والبراعة، من لا شيء، غير أن يكون وراءها تصميم ذكي؟

عثر طفل على حاسوب ليس عليه برمجيات، ثم راح يلعب بلوحة مفاتيحه عشوائيا، وإذا به يحصل على نظام تشغيل ويندوز 8، يعمل بكفاءة عالية ولا أخطاء فيه!

هل يمكن تصديق هذه القصة ولو لعب الطفل بالحاسوب ملايين السنين؟ إن تصديقها أسهل من تصديق أن المعلومات اللازمة لتصميم كائنات العصر الكامبري وجدت بلا مصمم ذكي.

أعلم أن من يقرؤون هذا الكلام من الدارونيين لن يردوا على أي دليل علمي مما جاء في سطور المقال، ولن يجيبوا عن تساؤلنا عن مصدر هذه المعلومات والبرمجيات الهائلة في كميتها والخارقة في نوعيتها، بل سنرى إجابات اعتدناها مثل قولهم "ولكن هناك آلاف الأبحاث تؤيد التطور"، أو قولهم "ولكن هناك نصف جمجمة تشبه جمجمة البشر عثر عليها هنا أو هناك" أو "ألا ترون أن البكتيريات تكتسب مقاومة ضد الأدوية ويعيش الأقوى منها؟"، وغير ذلك، فإذا قلنا لهم لماذا لا تفندون لنا إذن أدلتنا العلمية المنطقية التي أثبتنا أنها تنفي تماما نظرية التطور وتدل على التصميم الذكي، قالوا: "أتريدوننا أن نؤمن بالخالق؟ هذا دين وليس علما"، فنقول لهم: "يكاد المريب يقول خذوني!!"، لأن قولهم هذا يدل على أن تمسكهم بنظرية التطور لا علاقة له بالعلم والمنطق والدليل والبرهان والتجربة.

أما من يؤمنون بالعلم والعقل والمنطق والتجربة والدليل العلمي، فسيقولون بلا شك: "سبحان الخلاق العليم".

المصدر : الجزيرة