د. محمد قاسم*

هل تعرف أين كنت الليلة الماضية؟ قد تقول إنك كنت تشرب القهوة مع الأصدقاء في المقهى، أو كنت مع الأسرة في المنزل، أو في الطائرة مسافرا إلى الولايات المتحدة لحضور مؤتمر. وإن سألتك: كيف تثبت ذلك، فقد تكون ذاكرتك ضعيفة ولم تكن حيثما ذكرت؟ ستثبت صحة ادعائك بعرض صورة التقطها أحد الأصدقاء أو أحد أفراد أسرتك وفيها الدليل القاطع أن ذاكرتك لم تخنك. ولكن، هل الصورة التي التقطتها دليل مقبول على صدق الادعاء؟

كيف علمت أن الصورة لم تتكون عشوائيا في ذاكرة الهاتف الذكي؟ لنقل -لخطأ ما- اجتمعت الظروف المناسبة من خلال خلل أصاب الجهاز فتراكبت الإشارات الكهربائية على بعضها لتكون الصورة في ذاكرة الهاتف، فبديت وكأنك كنت جالسا في الطائرة لابسا البدلة الأنيقة وأنت تلوح بيدك. لماذا لا نقول إن ذاكرتك أخطأت؟ فقد تتحرك الإشارات الكهربائية في الخلايا العصبية بطريقة عشوائية لتوهمك بما تتذكره.

ما الذي يمنع أن يكون كل ما تراه الآن من حولك هو اجتماع للذرات المختلفة بعشوائية، لينشأ الكون بما يحتويه من مجرات ونجوم وكواكب والأرض والمنزل الذي تعيش فيه

ربما تتصور أن مثل هذا السيناريو لا يمكن أن يحدث، فكيف للعشوائية أن تصنع صورة وذاكرة متكاملة بكل تفاصيلها، وكلاهما لا يمتان للماضي بصلة؟

لنذهب إلى أبعد من ذلك، ما الذي يمنع أن يكون كل ما تراه الآن من حولك هو اجتماع للذرات المختلفة بعشوائية، لينشأ الكون بما يحتويه من مجرات ونجوم وكواكب والأرض والمنزل الذي تعيش فيه، وكذلك الكرسي الذي تجلس عليه والهاتف الذكي الذي تحمله معك وجسدك الذي تمتلكه، وحتى الذاكرة التي في ذهنك، فالعالم تكوّن قبل دقائق، وكل ما تعرفه لم يكن سوى بناء عشوائي حدث قبل قليل، وهذا البناء العشوائي كوّن خلايا مخك بتركيبة معينة فقدمت لك انطباعا عن ماض لم يكن؟ ليس هناك ما يمنع ذلك من الناحية الفيزيائية وإن بدا لك السيناريو كأنه وهم.

خذ ورق اللعب وافتح العلبة لأول مرة، ستجد أن محتوياتها من أوراق مكدسة بانتظام فوق بعضها البعض، امسك بالورق وارمه في الهواء، لقد تبعثرت الأوراق من حولك، اجمعها مرة أخرى، وارمها إلى الأعلى، لقد تبعثرت مرة أخرى، كرر ذلك عدة مرات، وسيتكرر التبعثر في كل مرة، فما احتمال أن تسقط الأوراق بانتظام فوق بعضها البعض بعد رميك لها في الهواء؟ إن احتمال عودتها إلى انتظامها ضئيل جدا بالمقارنة مع عدد الاحتمالات الفلكية التي تتبعثر فيها الأوراق، ولو أنك قضيت حياتك كلها مضاعفة مئات المرات وأنت ترمي بالورق، فلربما لن يتحقق هذا النظام ولا مرة واحدة.

بداية الكون
المعروف من الناحية العلمية أن الكون تكوّن من نقطة صغيرة تمددت بقوة هائلة، فأصبح لدينا كل ما نراه اليوم من مكوناته الضخمة، بدأ بانتظام شديد أو بـ"إنتروبيا" منخفضة، ومع مرور الوقت ازدادت الإنتروبيا تدريجيا، فأصبح الكون أقل انتظاما.

ويحدد العلماء الانتظام بعدد الحالات المختلفة لمكونات الكون، وكلما ازدادت عدد الحالات كانت فرص عدم الانتظام أكبر (هذا توضيح مبسط وغير دقيق لمعنى النظام ولكنه يبين الفكرة العامة). لذلك حينما كان الكون صغيرا جدا فإن احتمالات تراكيب مكوناته كانت هي أيضا صغيرة، أما اليوم مع وجود كون متسع وهائل الحجم فإن مكوناته لديها القدرة على الانتشار أكثر، ولذلك انخفض انتظامها، وبالتالي ازدادت الإنتروبيا.

النظام يمكن أن ينشأ عشوائيا، وهو ليس بالأمر المستحيل فيزيائيا، ولكن حدوثه غير محتمل،

اعتدنا على القول إنه مع مرور الوقت تزداد الإنتروبيا أو عدم الانتظام، وكأن الوقت هو الذي يحدد حالة النظام في الكون. الحقيقة هي أن العلماء يستخدمون الإنتروبيا للإشارة إلى تقدم الزمن وليس العكس، بل إن الفارق بين ما هو ماض وما هو حاضر أو مستقبلي هو اتجاه مؤشر الإنتروبيا من مستوى منخفض إلى مستوى عال.

حينما تشاهد صورتين واحدة لقالب ثلج متجمد وأخرى لنفس القالب وهو ذائب، ستقول إن صورة قالب الثلج المتجمد (إنتروبيا منخفضة) أتت أولا في التسلسل الزمني ثم أتت بعدها الصورة الأخرى للقالب الذائب (إنتروبيا عالية). وفي المقابل إن شاهدت لقطة على يوتيوب تبين كوبا من الشاي المخلوط مع الحليب، ووجدت أن الحليب بدأ بالتجمع تدريجيا، وتكونت سحابة، وتصاعدت إلى الأعلى، إلى أن وصلت إلى فوهة الكوب، ماذا ستقول عن اللقطة؟ بالتأكيد أنها مقلوبة زمنيا، لماذا؟ لأن مؤشر الإنتروبيا ينخفض، فانخفاض الإنتروبيا سيدل على زمن مضى، وازدياده سيدل على زمن لاحق.

وحتى إن انخفضت الإنتروبيا في مكان محدد فإنها تزداد في أماكن أخرى، أي لو أننا قمنا بتبريد الماء ليصبح قالبا من الثلج، فهذا يعتبر تخفيضا لإنتروبيا القالب، إلا أننا بتشغيل الثلاجة واستهلاكها للطاقة لتحريك المكائن وإنتاجها للحرارة، قمنا بزيادة الإنتروبيا في محيطها.

عودة للسؤال الأول
إذن، الزمن من حيث الماضي والحاضر والمستقبل يتم تحديده من خلال الإنتروبيا، ولكن هذا لم يجب على السؤال الأول: لماذا لا يكون أن الإنتروبيا انخفضت فجأة وبعشوائية؟ فكما ذكرنا، بإمكان الذرات المختلفة الانتشار لتتسبب في زيادة الإنتروبيا، وبإمكانها أيضا أن تجتمع لتصبح أكثر انتظاما، فكلاهما قابل للحدوث.

السبب يعود إلى أن الانتظام محدود والفوضى كثيرة، فترتيب أوراق اللعب كما كان في علبته يأتي بشكل واحد، بينما تبعثره على الأرض يأتي ببحر من الأشكال لا حصر لها، فصحيح أن النظام يمكنه أن ينشأ عشوائيا، وهو ليس بالأمر المستحيل، ولكن حدوثه أمر غير محتمل. ولهذا نحن نعرف أن ما نتذكره عن الماضي هو صحيح، ولا نتذكر المستقبل لأنه يأتي بأشكال لا يمكن حصرها.
_______
* أستاذ مساعد بكلية الدراسات التكنولوجية-الكويت

المصدر : الجزيرة