فداء ياسر الجندي

استعرضنا في المقال السابق بنية الحمض النووي ورأينا كيف أنه يتألف من سلسلة مزدوجة من القواعد، وأن الروابط بين هذه القواعد هي بمثابة شيفرة برمجية وصفها بيل غيتس بأنها أكثر تعقيدا من أي برامج كتبها البشر.

وقلنا إن أهم وظائف هذه البرامج هي تصنيع البروتينات ونقل الصفات الوراثية، بالإضافة إلى وظائف أخرى اكتشف العلم بعضها ولا يزال يعمل على كشف المزيد.

والبروتينات هي جزيئات كيميائية معقدة تعد من أهم الجزيئات التي تحويها الكائنات الحية ومن أكثرها تنوعا، فأنواعها تعد بالآلاف وتختلف باختلاف وظائفها، وهي بمنزلة جنود مسخرة لخدمة الخلية الحية وتقوم بدور أساسي في جميع التفاعلات الحيوية التي تجري في أجسامنا.

ومن بين الوظائف عملية بناء مكونات الخلية وإعطائها قوامها وتدعيم أجزائها ونقل المعلومات بين أجزاء الخلايا المختلفة وتحفيز التفاعلات الكيميائية، (وهذا النوع يسمى أنزيمات، وللأنزيمات أنواع كثيرة جدا).

تتكون البروتينات من وحدات تسمى "الحموض الأمينية" وعدد الحموض الأمينية الموجودة في الطبيعة كثيرة جدا، ولكن 20 منها فقط تدخل في تركيب البروتينات، ويمكن تشبيه العشرين بمثابة الحروف في الأبجدية، عددها محدود ولكن يمكن بواسطتها تكوين ما نشاء من جمل وعبارات وكلمات، على أن يرتبط بعضها ببعض وفق قواعد اللغة.

إن هذا وجه آخر من وجوه الشبه بينها وبين اللغة، فحتى يتكون من مجموعة حموض أمينية يجب أن ترتبط بعضها ببعض وفق تسلسل معين دقيق، فكل بروتين يتميز بتسلسل خاص لحموضه الأمينية، وإذا اختل فيه موضع أحد الحموض الأمينية لم نحصل على البروتين المطلوب.

وترتبط الحموض الأمينية بشكل خطي تسلسلي كارتباط عربات القطار، لتشكل سلسلة تطول أو تقصر حسب عدد الحموض المكونة كل بروتين، ثم تلتف تلك السلسلة لتأخذ شكلا ثلاثي الأبعاد يختلف أيضا باختلاف البروتين.

الخلية الحية عالم قائم بذاته، وتشبه بمجموعة من المصانع وورشات العمل التي تقوم بكل ما يلزم الكائن الحي من عمليات وتفاعلات لضمان استمرار الوظائف الحيوية في جسمه وبالتالي استمرار حياته، ومن بين هذه العمليات عملية تصنيع البروتين

تكون البروتينات في الخلية؟
يقول العلماء إن الخلية الحية عالم قائم بذاته، ويشبهونها بمجموعة من المصانع وورشات العمل التي تقوم بكل ما يلزم الكائن الحي من عمليات وتفاعلات لضمان استمرار الوظائف الحيوية في جسمه، وبالتالي استمرار حياته، ومن بين هذه العمليات عملية تصنيع البروتين، وهي عملية معقدة ولكن يمكن تبسيطها بثلاث مراحل أساسية، كما هو مبين في الرسم المبسط المرفق.

1- النسخ: تتلقى نواة الخلية اتصالا من مكان ما في جسم الإنسان، ولا أحد يعرف كيف يتم هذا الاتصال حتى الآن، يخبرها أنه في حاجة إلى بروتين معين، فتقوم النواة فورا بتحويل الاتصال إلى الحمض النووي المناسب، الذي يكون محتويا على التعليمات المطلوبة، أو البرنامج المطلوب لتصنيع ذلك البروتين، وفور تلقي هذا الاتصال، يقوم الحمض النووي بتحديد الشيفرة البرمجية المطلوبة لتصنيع هذا البروتين، ثم يبحث عن الجزء من سلسلته الحلزونية الذي يحتوي تلك الشيفرة، وبعد أن يحدد أولها وآخرها، تبدأ السلسلة بالتفكك فقط في المجال المحدد الذي يحوي الشيفرة المطلوبة.

ثم يستدعي المراسل الذي سيقوم بنقل التعليمات لتشكيل البروتين، واسمه (RNA) وهو شبيه بجزيء (DNA)، ولكنه يختلف عنه في أنه أصغر بكثير، وفي أنه سلسلة مفردة لا مزدوجة، طولها يعادل طول الشيفرة البرمجية للبروتين المطلوب، فيقوم هذا المراسل بالتموضع على أحد الطرفين المفككين من سلسلة (DNA)، وينسخ تسلسل القواعد، ثم ينفصل عنها وتعود السلسلة إلى الالتئام كما كانت سابقا.

لدينا الآن مراسل مستعد لنقل البرنامج، وما قام به هذا المراسل يسميه العلماء (النسخ)، وسيتلوه بعد ذلك عملية (الترجمة).

نعم.. ترجمة، فقد ذكرنا أن ما قام المراسل بنسخه هو شيفرة برمجية لتصنيع البروتين، وتسلسل القواعد في الشيفرة التي يحملها جزيء RNA ليس عشوائيا، حيث اكتشف العلماء أن كل ثلاث قواعد متجاورة من السلسلة هي رمز لحمض أميني معين، وأنه إذا ما تموضعت الأحماض الأمينية حسب تسلسل هذه القواعد فسنحصل على البروتين المطلوب.

2- النقل: ينطلق المراسل برعاية الله وتوفيقه من نواة الخلية، ويخترق مسام النواة، لينفذ منها إلى الوسط السائل الموجود بين النواة وغشاء الخلية، وهذا الوسط اسمه (السيتوبلازما)، وفي هذا السائل العجيب تسبح مكونات وجزيئات عديدة وكثيرة، منها الحموض الأمينية، ولكنها لا تكون منفردة بل يكون كل حمض أميني محمول على جزيء يسمى (tRNA)، وسنسميه من الآن (الناقل).

النواقل هي بمثابة عمال البناء الذين يبنون البروتين، ولو تخيلنا أن الأحماض الأمينية هي الطابوق الذي نبني منه البروتين فإن كل عامل يحمل فوق رأسه طابوقة

النواقل
والنواقل هي بمثابة عمال البناء الذين يبنون البروتين، ولو تخيلنا أن الأحماض الأمينية هي الطابوق الذي نبني منه البروتين، فإن كل ناقل هو عامل يحمل فوق رأسه طابوقة، أي حمضا أمينيا معينا، وهذا العامل له ثلاث أرجل، لا رجلان فقط، وأرجله عبارة عن ثلاث قواعد نيتروجينية هي رمز هذا الحمض الأميني.

3- الترجمة والبناء: لا بد عندها من وجود مراقب عمال أو رئيس عمال، وهو الذي يشرف على العمل ويتأكد من أن كل عامل يقوم بمهمته على أكمل وجه، وهذا المراقب في الخلية يسمى (الريبوزم)، ويتموضع على المراسل أي السلسلة المنسوخة من الحمض النووي، ثم يبدأ باستدعاء عمال البناء (النواقل) واحدا بعد الآخر حسب تسلسل الشيفرة التي يحملها المراسل.

ويستجيب العامل ويحمل الحمض الأميني ويذهب إلى المراسل وتلتصق أرجل العامل (شيفرة الحمض الأميني) فوق ما يطابقها من سلسلة المراسل، وهكذا يصطف العمال فوق السلسلة ويتم بذلك ترتيب الحموض الأمينية حسب الشيفرة المنقولة من الخلية، وهذه هي عملية الترجمة أي ترجمة الشيفرة المنقولة من الخلية إلى تسلسل معين للحموض الأمينية ينتج عنه بروتين معين.

بعد ذلك يقوم رئيس العمال بربط الحموض الأمينية بعضها ببعض بروابط كيميائية خاصة، وكلما ترابط حمضان ينفصل عن كل منهما ناقل يحمله وهكذا حتى تتشكل سلسلة الأحماض الأمينية التي يتكون منها جزيء البروتين، وبعد أن يضع جميع العمال أحمالهم وتتكون السلسلة، تبدأ السلسلة بالالتفاف بشكل محدد حسب نوع البروتين لتأخذ شكلها ثلاثي الأبعاد هو البروتين بشكله النهائي.

لولا أن هذه العملية المعقدة قد شاهدها العلماء بالمجاهر الإلكترونية، لظننا أنها ضرب من الخيال، ولما صدقنا أن كل ذلك يحدث في نواة الخلية المتناهية في الصغر: معلومات مخزنة، وبرمجيات معقدة، وتعليمات مرتبة، واتصالات متبادلة، وتنقلات محسوبة، وأوامر دقيقة، ونسخ، وترجمة، وعمال يشتغلون، وخطوط إنتاج، وأشياء أخرى دقيقة معقدة لم نذكرها للتبسيط والاختصار.

فمن الذي وضع خطة العمل المحكمة المعجزة هذه؟ ومن الذي يرشد المراسل ليأخذ الأحماض الأمينية إلى مكانها؟ من الذي يقول للحمض النووي تفكك من هذا المكان إلى ذاك؟ ومن الذي يأمر المراسل بالتشكل ضمن هذا المجال المتفكك؟ وكيف يشعر العمال (الريبوزمات) بأن هناك مراسلا قد خرج من نواة الخلية إلى السيتوبلازما فتنطلق إليه وتأخذ مكانها في سلسلته وتضع أحمالها؟

وكل ذلك لإنتاج جزيء بروتين واحد، فكيف إذا علمنا أن هناك آلاف الأنواع من البروتينات، وأن  بعض البروتينات تضم سلسلته آلاف الأحماض الأمينية المرتبة بترتيب مرسوم لا يجب أن يختل، وإن اختل الترتيب فقد البروتين فاعليته وأصبح مجرد جزيئات زائدة لا عمل لها.

إن تصنيع البروتين تحدث في جميع خلايانا على مدار الساعة ولا تستغرق الواحدة منها إلا بضع ثوان

على مدار الساعة
وفوق ذلك فإن هذه العملية (تصنيع البروتين) تحدث في جميع خلايانا على مدار الساعة ولا تستغرق الواحدة منها إلا بضع ثوان.

فكم عدد الشيفرات والمعلومات والبرامج التي تحويها خلايا أجسامنا، ومن الذي وضع تلك الخطة المحكمة للتصنيع؟ وأين التعليمات أو دليل الاستخدام الذي ترجع إليه الخلايا أثناء عملها لتتبع تلك الخطط المرسومة؟ وكيف أنشئ هذا النظام المحكم المتناهي في الدقة؟

هل يعقل أن يكون مصدر كل ذلك ماديا بحتا؟ وتفاعلات كيميائية عشوائية؟ وطفرات عمياء متتالية؟ هل يمكن أن تكون البرامج التي تكلم عنها بيل غيتس وأقر بأن البشر يعجزون عن كتابة مثلها، هل يعقل أن تكون موجودة دون أن يكون وراءها مصدر قوة عاقلة ذكية لا حد لقدرتها وعلمها؟

لقد كان علم الوراثة وعلم الكيمياء الحيوية واكتشاف الحموض النووية واكتشاف أن الخلايا ليست مادة فحسب بل تحتوي على (معلومات) وخطط وبرمجيات، كانت كل هذه الأمور هي المسامير الأخيرة التي تم دقها في نعش نظرية دارون، القديمة منها والحديثة، لأنها لم تستطع (ولن تستطيع) أن تقدم إجابات علمية مقنعة ومعقولة عن كل الأسئلة التي طرحناها أعلاه.

ولكن مهلا، رب قائل يقول لي "لو أن ما زعمت كان صحيحا، فلماذا ما زالت نظرية دارون هي السائدة حتى الآن في معظم الأنظمة التعليمية في الشرق والغرب؟ وإذا كان تهافتها بهذا الوضوح الذي ذكرت، فلماذا لم ينبذها العلماء حول العالم؟ وما الحجج التي يعتمدون عليها في الدفاع عن هذه النظرية؟ أليس هناك آلاف من العلماء ما زالوا يؤمنون بها؟ أليس هناك الآلاف من الأبحاث والأوراق العلمية حولها؟

نقول لمن يتساءل "إن تساؤلاتكم في محلها، فانتظروني للرد عليها في المقالات القادمة".

المصدر : الجزيرة