د. محمد أنس طويلة*

أثارت التقارير التي انتشرت مؤخراً عن تجربة سرية قامت بها شركة فيسبوك لمحاولة التأثير على مشاعر مستخدميها دون علم منهم موجة من الانتقادات وجدلا واسعا بشأن دوافع الشركة للقيام بمخاطرة كهذه.

وقد أجريت هذه التجربة على حوالي 690 ألف مستخدم لموقع التواصل الاجتماعي واستمرت لأسبوع واحد في العام 2012، وعمل الباحثون في التجربة على تغيير المواد المنشورة التي تصل إلى المستخدم من أصدقائه في الموقع لتقييم مدى تأثير هذه التغييرات على مشاعر المستخدم وسلوكه (هل سيؤدي نشر نسبة أكبر من المواد المحبطة والسلبية مثلاً إلى تحريك مشاعر الحزن والأسى لدى المستخدم الذي سيقرأ هذه المواد؟).

ورغم أن التجربة ذاتها تثير الكثير من التساؤلات عن مدى التزام الشركة بأخلاقيات البحث العلمي واحترام علاقتها مع مستخدميها، خصوصاً وأن التجربة أجريت دون علم المستخدمين أو استئذانهم، إلا أن السؤال الأبرز يتجلى في دوافع الشركة للقيام بمثل هذه الدراسات.

ما الذي يدعو شركة يصل عدد زوار موقعها إلى أكثر من مليار زائر شهرياً إلى المخاطرة بسمعتها والعبث بأمر فائق الحساسية كالتحكم بمشاعر المستخدمين؟

مخاطرة
ما الذي يدعو شركة يصل عدد زوار موقعها إلى أكثر من مليار زائر شهرياً إلى المخاطرة بسمعتها والعبث بأمر فائق الحساسية كالتحكم بمشاعر المستخدمين؟

للإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نعود إلى الحافز الأساسي للشركة والذي يبدو جلياً في أسلوبها التجاري المعتمد على الإعلانات، فهي تقدم خدماتها للمستخدمين مجاناً وتحصل على دخلها من بيع خدمات إعلانية للشركات والمؤسسات لإيصال إعلاناتهم إلى هؤلاء المستخدمين. لذلك فإن مصلحة شركة فيسبوك مبنية على ثلاثة عوامل أساسية: ازدياد عدد مستخدمي الموقع، وازدياد تفاعل هؤلاء المستخدمين مع الموقع، والعامل الأهم ازدياد تفاعل المستخدمين مع الرسائل الإعلانية على الموقع.

بعد أن شهد عدد مستخدمي فيسبوك تزايداً كبيراً في الأعوام القليلة الماضية، بدأ هذا النمو بالتباطؤ خلال الأشهر الأولى من هذا العام، ولعل السبب في ذلك يعود إلى إشباع معظم الأسواق وتقلص عدد الزبائن الجدد الذين لا يملكون حساباً بعد في فيسبوك.

أما تفاعل المستخدمين مع الموقع فقد بدأ بالانخفاض منذ أواخر العام الماضي، لذلك ربما وجدت فيسبوك أن السبيل الأسرع لزيادة جاذبية موقعها للمعلنين يتطلب العمل على زيادة تفاعل المستخدمين مع إعلاناتهم، ولعل هذا ما يفسر لجوء الشركة إلى تجربة أساليب التحكم بمشاعر المستخدمين.

لكن كيف سيؤدي التحكم بمشاعر المستخدمين إلى زيادة تفاعلهم مع الإعلانات؟ يعتمد تسويق كثير من المنتجات (سواء عبر شبكة الإنترنت أو بالوسائل التقليدية كالإعلانات التلفزيونية أو الصحف والمجلات) على إقناع المستهلك بحاجته الماسة للمنتج الذي يتم تسويقه.

لذلك تجد إعلانات تسويق منتجات تخفيف الوزن مثلاً تعتمد على إقناع المستهلك بأن هذا المنتج سيساعده على التخلص من وزنه الزائد ليصبح أكثر نجاحاً وجاذبية للجنس الآخر، أي إنها تحتوي رسالة ضمنية مفادها أنه بشكله الحالي غير ناجح أو جذاب، فإذا نجحت هذه الرسالة ستدفع المستهلك إلى شراء منتج تخفيف الوزن ظناً منه أنه يحتاج إليه فعلاً.

في حال تمكنت فيسبوك من تطوير وصفة للتحكم بمشاعر المستخدم عندما تشاء، سيصبح بمقدورها تحضير المستخدم نفسياً ليصبح أكثر تقبلاً لرسالة إعلانية قادمة، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على تطويع مشاعر المستخدمين لتلائم طبيعة المنتجات التي يريد المعلنون نشرها في وقت محدد

مشاعر المستخدمين
ومن هنا تأتي أهمية (وخطورة) قدرة شركات مواقع التواصل الاجتماعي على التحكم بمشاعر مستخدميها، وهو ما يدفع فيسبوك إلى القيام بمثل هذه التجارب.

في حال تمكنت فيسبوك من تطوير وصفة للتحكم بمشاعر المستخدم عندما تشاء، سيصبح بمقدورها تحضير المستخدم نفسياً ليصبح أكثر تقبلاً لرسالة إعلانية قادمة، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على تطويع مشاعر المستخدمين لتلائم طبيعة المنتجات التي يريد المعلنون نشرها في وقت محدد.

والأخطر من ذلك أن فيسبوك تعلم أساساً معلومات هائلة عن مستخدميها. فإذا خسر أحد المستخدمين مثلاً عمله لسبب من الأسباب، فإن الشركة تعلم بأنه يمر بمرحلة صعبة من الضغط النفسي، وإذا تمكنت من زيادة إحساس هذا المستخدم بقلة الحيلة وعدم الثقة بالنفس، سيصبح لقمة سائغة لمعلن يبيع أعشاباً طبيعية لمكافحة الاكتئاب أو دورة تدريبية لتطوير الذات، إذ سيصبح احتمال تفاعل هذا المستخدم مع هذا الإعلان بالذات في هذه الفترة أكبر بكثير من احتمال تفاعله مع إعلان لطراز جديد من السيارات مثلاً.

وتكمن المشكلة الكبرى في هذا التلاعب بالأحاسيس والمشاعر لخدمة غايات تجارية واستهلاكية بحتة في أن المستخدمين قد يتعرضون له دون أي علم منهم، وبالتالي لن يمكنهم اتخاذ الحيطة والحذر اللازمين للتعامل مع مثل هذه المواقف.

لكن هذه التجربة لم تمر مرور الكرام، فقد أثارت انتقادات واسعة وصلت إلى حد إرسال أحد الأعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي رسالة اعتراض رسمي إلى لجنة التجارة الفدرالية يشرح فيها مخاوفه من الآثار التي قد تتركها مثل هذه التجربة على المستهلكين.

كما بدأ مكتب مفوضية المعلومات في المملكة المتحدة أيضاً تحقيقاً لمعرفة ما إذا كانت هذه التجربة قد انتهكت قوانين حماية خصوصية المواطنين البريطانيين. وفي النهاية يبقى التساؤل عن تجارب أخرى مماثلة قد تكون الشركة قد أجرتها أو بصدد إجرائها لكن أخبارها لم تنتشر بعد، وربما لن تنتشر أبداً.
_______________

المصدر : الجزيرة