أشرف رشيد-موسكو

أجريت في روسيا مؤخرا تجربة إطلاق ناجحة لصاروخ فضائي من طراز "أنغارا"، انطلق من قاعدة بليسيتسك في شمال غرب روسيا، وهو صاروخ مطور يعد الأول من نوعه منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، وذلك بعد محاولة فاشلة جرت في أواخر الشهر الماضي بسبب عطل في أحد الصمامات بخزان الأكسجين السائل. 

وبحسب المسؤولين، فإن إنتاج صاروخ أنغارا يأتي في إطار المساعي الروسية لاستعادة مكانتها السابقة في صناعة التكنولوجيا الفضائية، بعد تأثرها بتفكك الاتحاد السوفياتي وما نجم عنه من نقص في التمويل، وهروب للعقول خلال حقبة التسعينيات.   

ويقول المحلل العسكري المتخصص في شؤون الدفاع الفضائي فكتور ليتوفكين إن إطلاق الصاروخ بنجاح هو تتويج لمشروع وطني بدأ العمل به قبل عشرين عاما، ويهدف إلى الاعتماد على الإمكانيات الروسية الذاتية في تصنيع الصواريخ الفضائية، والتخلص من الارتهان للموردين الخارجيين.

وأوضح ليتوفكين أنه في الحقبة السوفياتية كانت عملية الإنتاج تتم بشكل تكاملي بين الجمهوريات السوفياتية، لا سيما أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان، لكن تفكك الاتحاد السوفياتي والتغييرات اللاحقة سياسيا واقتصاديا أوجبت البحث عن مخارج أخرى، والتركيز على إمكانياتنا الذاتية، حتى وإن كان شركاؤنا من رابطة الدول المستقلة. كما أن عملية الإطلاق جرت هذه المرة من قاعدة إطلاق صواريخ فضائية روسية وليس من قاعدة بايكانور التي تستأجرها روسيا في كازاخستان كما جرت العادة ليكون الصاروخ روسياً بمعنى الكلمة.

فكتور ليتوفكين (الجزيرة)

استعادة الدور
وفي ما يتعلق بالصاروخ يقول ليتوفكين إن "أنغارا" جيل جديد من الصواريخ الفضائية التي ستدخل الخدمة محل الصواريخ السوفياتية القديمة، وسوف تستخدم لنقل مجموعات متفاوتة من الحمولات المدنية والعسكرية ابتداء من الأقمار الاصطناعية الخفيفة وصولا إلى المركبات الفضائية الثقيلة.

وتتألف عائلة صواريخ "أنغارا" من ثلاث فئات: وهي الصاروخ الخفيف "Аngara-1.2" وهو قادر على حمل 3.8 أطنان، والمتوسط "Аngara -А3" بحمولة قصوى تبلغ  14.6 طنا، والثقيل "Аngara -А5" بحمولة قصوى تبلغ 24.5 طنا. وسوف تستخدم هذه الصواريخ الفضائية في نقل مجموعة واسعة من الأجهزة التي تحتاجها محطات الفضاء والأقمار الاصطناعية وسفن الفضاء.

علما بأن جميع مكونات الصاروخ جرى تصنيعها في روسيا بما في ذلك الحشوات الداخلية والمكونات الإلكترونية والمحركات الصاروخية وغيرها، ومن مميزات الصواريخ أنها سريعة التركيب من مكونات جاهزة لأغراض متعددة، كما أن الوقود المستخدم فيها نظيف بيئيا لا يسبب التلوث أو التسمم البيئي. وهذا كله جرى بأيدي خبراء روس وتحت إشراف شركة روس كوسموس المتخصصة في الصناعات الفضائية.

وبشأن دوافع المشروع، يضيف المحلل العسكري أنه في الماضي كان يتردد أن روسيا لا تملك ما تفخر به، ذلك أن جميع المنجزات العلمية والعسكرية في مجالات الفضاء والسلاح النووي والصناعات الثقيلة وغيرها، إنما هي إرث سوفياتي حصلت عليه روسيا دون عناء ولم تُدخل عليها أي إضافات، بل على العكس حدث تراجع ملحوظ في الأداء العام.

وأضاف أن روسيا باتت تبدو كغيرها من الدول النفطية التي تعتمد بشكل شبه كامل على مدخولات موارد الطاقة. لكن هذا غير صحيح والظروف الآن باتت تسمح باستعادة المكانة الرائدة التي شغلتها روسيا وقطعت فيها شوطا كبيرا.

وفي ما يتعلق بالتكلفة، أوضح ليتوفكين أن البرنامج عسكري مخصص لوزارة الدفاع، وقد بلغت تكلفة تنفيذ المشروع 160 مليار روبل (ما يعادل خمسة مليارات دولار)، وهو مبلغ ضخم لكن الفائدة منه مستقبلا ستكون أكبر، لا سيما أن المرحلة المقبلة ستشهد اعتمادا متزايدا على الفضاء للأغراض العسكرية الدفاعية، كما أن المنظومة يمكن استخدامها لأغراض تجارية، وتحقيق أرباح كبيرة منها.

المصدر : الجزيرة