د. محمد قاسم*

تحمست للغاية لخبر نجاح المحاور الروبوتي أو "الكمبيوتري" "يوجين غوزتمان" في اختبار "التورينغ"، هذا الاختبار الذي حاول علماء الكمبيوتر الفوز به منذ أن بدأت سلسلة الاختبارات سنة ١٩٩١، ولكني -وبعد أن اطلعت على تفاصيل المسابقة وكيفية نجاح المحاور "البوت" (اختصارا لروبوت)- أعتبر هذا الاختبار فاشلا حتى وإن نجح "يوجين" فيه رسميا.

المحللون منقسمون، ولكن الكثير منهم يعتقد أن هذه النتيجة لا تستحق التقدير، وأنا أتفق مع الكثير منهم، وإن كنت أعتبرها خطوة ابتدائية لا بأس بها.

أسس العالم "آلن تورينغ" -أبو الذكاء الاصطناعي- فكرة اختبار "التورينغ" سنة ١٩٥٠ في ورقة علمية، وهو اختبار يحاول أن يميز ما إذا كان لدى الكمبيوتر القدرة على التخاطب مع البشر بحيث لا يمكنهم تمييز خطابه عن خطاب أو محادثة مع إنسان.

ليس الهدف أن يكون الكمبيوتر ذكيا أو واعيا أو فاهما لما يُرمِّز به من كلمات، بل يكفي أن يخدع ٣٠٪ من البشر في محادثة كتابية للاعتقاد أن الحديث يدور مع إنسان آخر.

أسلوب الاختبار يدل على عبقرية "تورينغ"، فقد أبعد المزاج البشري والعاطفة والانحياز عن الحُكم على الكمبيوتر، بدلا من أن يتساءل "تورينغ" ما إذا كان الكمبيوتر يفكر أو يفهم، تساءل عن قدرته على تقليد البشر ليبدو كأنه ذكي.

الجائزة الكبرى
لم تُؤسس مسابقة لاختبار "التورينغ" حتى سنة ١٩٩١، حيث قام المختبرون بوضع كمبيوتر وشخص في غرفة مغلقة، بحيث لا يراهما الحكام، فيجلس الحكم خارج الغرفة ليتحادث مع الطرفين، وخلال خمس دقائق من المحادثة في أي موضوع يقرر الحكم أي الطرفين هو إنسان وأيهما كمبيوتر، وبعد أن يتحدث عدد من الحكام مع الطرفين تحصى قراراتهم، فإن خدع ٣٠٪ منهم، ينجح الكمبيوتر في الاختبار.

" يوجين غوزتمان" برنامج محادثة بسيط، يحلل الجمل، ويجيب أو يسأل الطرف الآخر، فيتجاذب أطراف الحديث ليبدو كأنه شاب في الـ13 من عمره يرجع إلى أصول أوكرانية، وبلغة إنجليزية بسيطة
وحتى هذه السنة (٢٠١٤) لم ينجح أحد في الحصول على الجائزة الكبرى، إلى أن خطف الجائزة الذكاء الاصطناعي "يوجين غوزتمان".

"يوجين غوزتمان" هو برنامج محادثة بسيط، يحلل الجمل، ويجيب أو يسأل الطرف الآخر، فيتجاذب أطراف الحديث ليبدو وكأنه شاب في 13 من عمره يرجع إلى أصول أوكرانية، وبلغة إنجليزية بسيطة وبعبارات غير مهذبة لغويا أو إعرابيا (كون لغته الأم الأوكرانية) تحدث مع الحكام وأقنع بعضهم بأنه إنسان.

وهنا -برأيي- يكمن أحد أسرار نجاح يوجين الذي فاز بنسبة ٣٣٪ في المسابقة، ومن هنا أجد أنه من الضروري تغيير قوانين مسابقة "التورينغ"، وسحب مرمى الهدف إلى الخلف، لكي لا تدخل الكرة بداخله بسهولة.

كون "يوجين" شابا في عمر ١٣ سنة، وكونه أوكرانيا لا يتخاطب بالإنجليزية بطلاقة يخفض من دفاعات المُحكم نفسيا، وسيدعوه للتفاعل مع "يوجين" بطريقة تختلف عن تفاعله مع شخص أكثر نضوجا عمريا وعقليا، ربما مررتَ بهذه التجربة شخصيا، حينما لعبت مع طفل أو تحدثت معه، فلم تتحدث معه كما تتحدث مع شخص آخر في فئتك العمرية، ربما حاولت أن تتماشى معه عقليا، ومرّرت الكثير من الأخطاء، وقبلت منه الزلات، وهذا أسلوب بشري طبيعي نتفاعل به مع الآخرين، ولكن كيف يمكن لاختبار في الذكاء الاصطناعي أن يُفوّت مثل هذا الأمر؟

محدودية الإنسان
أتفق أنه لا بد أن يكون هناك نوع من أنواع الخداع حتى لا يُميز الحكمُ الكمبيوتر عن الإنسان، وفي حالة "يوجين" فقد كان الخداع يهدف إلى خفض التوقعات، وفي المقابل لو أن الكمبيوتر كان بدرجة عالية من الذكاء (والذي أتوقع حصوله في المستقبل)، ربما سيتمكن الإنسان من تمييزه أيضا، فإن كان الكمبيوتر قادرا على التحدث بمستوى من الذكاء واللغة بالغة الفصاحة بحيث يجيب عن أي سؤال في أي مجال، فلربما سيكون ذلك التفوق الباهر دليلا على أنه كمبيوتر، فالإنسان وإن كان عبقريا فإنه محدود بعلمه، ولكن حتى ذلك الحين حينما يصبح الكمبيوتر بهذه الدرجة من التطور، لا بد أن يُرفع أداء الكمبيوتر، لا أن تُخفض توقعات البشر من الكمبيوتر.

إن كان الكمبيوتر قادرا على التحدث بمستوى من الذكاء واللغة بالغة الفصاحة فلربما سيكون ذلك التفوق الباهر دليلا على أنه كمبيوتر، فالإنسان وإن كان عبقريا فإنه محدود بعلمه
عدد من الكتاب رفضوا فوز "يوجين" من أبواب مختلفة، الكثير منهم رفضوه على غير المبدأ الذي أسست عليه قواعد الاختبار، فهم يبحثون عن ذكاء وفهم حقيقيين، وهذه مغالطة ومُخَالفة لأصول الاختبار، ولست أتفق معهم، فالاختبار لم يهدف إلى تطوير كائن واع وذكي كالبشر، الهدف هو أبسط من ذلك بكثير، وهو خداع الناس ليعتقدوا أنهم يتحدثون إلى إنسان، لذلك فإني -ومن هذا الباب- أتصور أنه حتى هذا الخداع لم يحقق التوقعات ولا حتى حق الفوز بالجائزة.

قد يتصور البعض أن هذا الخداع لا طائل منه، على العكس من ذلك، فهو مهم جدا، فمع ازدياد أعداد البشر حول العالم، وتفاعلهم اليومي الغزير مع الإنترنت وعبر شراء بضائع من خلاله، سيكون لمثل هذا "البوت" أهمية بالغة، ففي المستقبل من الممكن أن تتحاور مع "بوت" للحصول على معلومات عن بضاعة معينة تود شراءها مثلا، أو من الممكن أن يجيب عن أسئلة عامة في قواعد بيانات كبيرة حول موضوع ما. وفي المقابل، ومن الناحية السلبية الشديدة، فإن مثل هذا الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه في التجسس وجلب المعلومات من شبكات التواصل الاجتماعي بالتحاور مع الآخرين.

أي كانت الاستخدامات لهذه التكنولوجيا فإن نجاح "يوجين" ليس كافيا، ولن يكون قادرا على الاستمرار كمحاور مناسب لعقليات أكبر سنا وأكثر نضجا، ولذلك لا بد من تغيير شروط المسابقة أو إنشاء مسابقة أكثر تعقيدا من الحالية، حتى يرتقي علماء الكمبيوتر لمستوى أفضل من جديد، وقد يعود حماسي بعد ذلك من جديد.

_______________

*أستاذ مساعد في كلية الدراسات التكنولوجية، الكويت.

المصدر : الجزيرة