أليكس بنتلاند*

تتألف البيانات الضخمة من الأثر الرقمي الذي نخلفه من ورائنا عندما نستخدم بطاقات الائتمان أو الهواتف المحمولة أو شبكة الإنترنت. وفي حال استخدامها بعناية ودقة، فإن هذه البيانات تعطينا نطاقا غير مسبوق لفهم مجتمعنا وتحسين الطريقة التي نعيش بها ونزاول أعمالنا.

ولكن ليس كل ما ينجح نظريا قد يُتَرجَم بنفس النجاح في العالم الحقيقي، إذ لا يمكن سبر أغوار التفاعلات البشرية المعقدة دائما حتى بالاستعانة بأكثر النماذج تطورا. وتلزمنا البيانات الضخمة بالتجريب على نطاق ضخم.

على سبيل المثال، يعكف مختبري على بناء موقع على الإنترنت يعتمد على خرائط غوغل ويستخدم الأثر الرقمي للمجتمع لرسم خريطة للفقر والوفيات بين الأطفال ومعدلات الجريمة والتغيرات في الناتج المحلي الإجمالي، وغير ذلك من المؤشرات الاجتماعية الأخرى، وكل هذا سيخضع للتحديث يوميا. وتسمح هذه القدرة الجديدة للمتابعين بالتعرف على المجالات التي نجحت فيها المبادرات الحكومية أو فشلت.

رغم أن هذه الأدوات التخيلية المبهرة يمكن أن تعزز بشكل كبير من الشفافية والمعرفة العامة، فإنها محدودة بدرجة مذهلة عندما تطبق لحل مشاكل المجتمع

أدوات تخيلية
ولكن رغم أن هذه الأدوات التخيلية المبهرة يمكن أن تعزز بشكل كبير من الشفافية والمعرفة العامة، فإنها محدودة بدرجة مذهلة عندما تطبق لحل مشاكل المجتمع. ومن بين الأسباب وراء هذا أن مثل هذه التدفقات الدسمة من البيانات تشجع نشوء علاقات ارتباط زائفة.

وحتى استخدام المنهج العلمي الطبيعي لم يعد مضمون النجاح، ففي ظل وجود قياسات عديدة والكثير من الارتباطات الأخرى المحتملة بين العناصر التي يجري قياسها، فإن أدواتنا الإحصائية القياسية المعتادة تعمل على توليد نتائج لا معنى لها.

ومن دون التعرف على كل البدائل الممكنة لن يكون بوسعنا تشكيل مجموعة محدودة يمكن اختبارها من الفرضيات الواضحة. وإذا لم يعد بإمكاننا الاعتماد على التجارب المعملية لاختبار العلاقة السببية، فيتعين علينا أن نختبرها في العالم الحقيقي باستخدام كميات هائلة من البيانات المحدثة أولاً بأول. ويستلزم هذا الخروج من عملية السؤال والجواب المغلقة المعتادة في المختبرات وتطبيق أفكارنا في المجتمع في وقت أكثر تبكيرا وبمعدل أكثر تكرارا من أي وقت مضى.

مختبرات حية
وللتعرف على الكيفية التي تعمل بها الأشياء في الواقع، يتعين علينا أن نبني مختبرات حية، أي مجتمعات مهيأة لتجربة طرق جديدة لتسيير الأمور، أو بعبارة صريحة: العمل كفئران تجارب. وتُعَد "مدينة البيانات المفتوحة" مثالاً لهذه المختبرات الحية، وقد أنشأتها بالتعاون مع مدينة ترينتو في إيطاليا، وشركة تيليكوم إيطاليا، وتيليفونيكا، والجامعة البحثية "مؤسسة برونو كيسلر" ومعهد التصميم المدعم بالبيانات، وشركات محلية.

الصعوبة الأكبر التي تواجه استخدام البيانات الضخمة لبناء مجتمع أفضل، تتمثل في القدرة على تطوير فهم بديهي ذي نطاق بشري للفيزياء الاجتماعية

ومن الجدير بالذكر أن هذا المختبر الحي حاز على قبول كافة الأطراف المعنية وموافقتهم المسبقة، وهم يدركون أنهم يشاركون في تجربة عملاقة يتلخص هدفها في خلق وسيلة أفضل للمعيشة.

ويتلخص أحد التحديات الكبرى التي تواجه المختبر الحي في حماية الخصوصية الفردية دون التقليل من إمكانية تحقيق الحوكمة الأفضل، إذ سيجرب مختبر ترينتو على سبيل المثال "الصفقة الجديدة بشأن البيانات" التي اقترحتها، والتي تمنح المستخدمين قدرة أكبر على التحكم في البيانات الشخصية عبر برنامج لشبكة الثقة، مثل نظام مخزن البيانات الشخصية المفتوح الذي نستخدمه.

تبادل البيانات
ونحن نأمل أن تؤدي القدرة على تبادل البيانات بأمان وحماية الخصوصية في الوقت ذاته إلى تشجيع الأفراد والشركات والحكومات على نشر أفكارها على نطاق واسع، وبالتالي زيادة الإنتاجية والإبداع في مختلف أنحاء المدينة.

ولكن الصعوبة الأكبر التي تواجهنا في استخدام البيانات الضخمة لبناء مجتمع أفضل، تتمثل في القدرة على تطوير فهم بديهي ذي نطاق بشري للفيزياء الاجتماعية. ورغم كثافتها فإن البيانات المستمرة والقدرات الحاسوبية الحديثة تسمح لنا برسم العديد من التفاصيل عن المجتمع، وشرح الكيفية التي قد تعمل بها المجتمعات، مثل النماذج الحسابية الخام التي تحتوي على العديد من المتغيرات والعلاقات المعقدة، بحيث تستوعبها أفهام أغلب الناس.

والمطلوب الآن هو إقامة نوع من الحوار بين الحدس البشري والواقع القهري الذي تفرضه البيانات الضخمة، وهو الحوار الغائب حاليا عن أنظمة الإدارة والحكم. وإذا كان للبيانات الضخمة أن تنتشر بفعالية، فلا بد أن يكون الناس قادرين على فهم وتفسير الإحصاءات المرتبطة بها. وهذا يتطلب التوصل إلى فهم جديد للسلوك البشري والديناميكيات الاجتماعية التي تتجاوز النماذج الاقتصادية والسياسية التقليدية.

ولن يتسنى لنا إلا من خلال تطوير علم ولغة للفيزياء الاجتماعية، أن نجعل من عالم البيانات الضخمة مكانا نرغب في الحياة فيه.
_______________
* أستاذ فنون وعلوم الإعلام، ومدير برنامج ميديا لاب لروح المبادرة التجارية لدى ميديا لاب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وهو مؤلف كتاب "الفيزياء الاجتماعية.. كيف تنتشر الأفكار الجيدة.. دروس من العلم الجديد".

المصدر : بروجيكت سينديكيت