* د. محمد أنس طويلة

في أواخر تسعينيات القرن الماضي، توقع بيل غيتس (والذي كان حينها المدير التنفيذي لشركة مايكروسوفت) أن يحدث تطور تقنيات الحوسبة والإنترنت في المستقبل تغييرات جذرية في كيفية تفاعل المشاهد مع برامج التلفزة، وضرب على ذلك مثلا بأنه سيصبح بإمكان المشاهد في المستقبل في حال أعجبته ساعة اليد التي يرتديها ممثله المفضل في أحد أفلامه أن يستخدم تلفازه لطلب المزيد من المعلومات عن هذه الساعة من شبكة الإنترنت، بل وشراءها مباشرة إذا أراد.

لقد كان بيل غيتس متفائلا للغاية في تقديره للمدة الزمنية التي سيستغرقها تطوير هذه التقنيات، لكنه كان موفقا جدا في تصوير تفاصيلها. بعد حوالي 25 عاما على هذا التصريح بدأت عدة شركات بإنتاج أجهزة منخفضة الثمن نسبيا تربط بين عالم التلفزيون وشبكة الإنترنت، ولعل أشهرها جهاز InAir من شركة SeeSpace الذي يبلغ ثمنه حوالي 150 دولارا أميركيا ويدعم أجهزة التلفزيون ثلاثية الأبعاد.

تعتمد هذه الأجهزة بشكل أساسي على تقنيتين حديثتين: تقنية التلفزيون المعزز Augmented TV وتجربة الشاشات المتعددة Multi Screen Experience. في تقنية التلفزيون المعزز يقوم جهاز التلفزيون أو جهاز إضافي متصل به (مثل جهاز SeeSpace InAir) بقراءة المعلومات المرفقة بكل برنامج تلفزيوني أثناء عرضه، ليستخدم هذه المعلومات البسيطة نسبيا (تحتوي عادة على معلومات أساسية يمكن من خلالها تحديد هذا البرنامج، مثل اسم البرنامج ولغته وسنة إنتاجه) في البحث عن  تفاصيل هذا البرنامج على شبكة الإنترنت.

ستمنح هذه المعلومات التفصيلية (التي قد تتضمن معلومات عن كل مشهد من مشاهد البرنامج وتفاصيل محتوياته) الجهاز قدرة البحث في شبكة الإنترنت عن معلومات محددة ترتبط باللقطات التي تظهر على شاشة التلفزيون وعرضها للمشاهد أثناء متابعته للبرنامج.

وهنا يأتي دور تقنية الشاشات المتعددة، ففي حين يمكن لجهاز SeeSpace InAir عرض هذا المحتوى في الفضاء ثلاثي الأبعاد الفاصل بين المشاهد والتلفزيون، تعمد أجهزة أخرى إلى استغلال وجود شاشات عدة مرتبطة بشبكة الإنترنت حول المشاهد كهاتفه الذكي أو حاسبه اللوحي لتعرض المحتوى الإضافي على هذه الشاشات. يمكن حينها للمشاهد التفاعل مع هذا المحتوى كأن يصوّت مثلاً لشاعره المفضل أو ليشارك في مسابقة عن المعلومات العامة.

تحمل هذه التقنيات في طياتها ميزات جمة، فهي تتيح لمتابع برنامج وثائقي عن عالم الحيوان مثلا البحث في موسوعة ويكيبيديا عن المزيد من المعلومات عن الكائنات التي يشاهدها، لكن تأثيرها الأكبر سيظهر في مجال الإعلان التلفزيوني، إذا ستفتح أبوابا أمام المعلنين والمسوقين لتوجيه إعلاناتهم بشكل أكثر دقة وتحفيز المشاهد على اتخاذ قرار فوري بالشراء.

إن معرفة طبائع كل مشاهد وتفضيلاته ستمنح المعلن إمكانية توجيه إعلانه للفئة المستهدفة دون غيرها، فما فائدة عرض إعلان لأدوات حلاقة الذقن مثلا لسيدة لن تستخدمها أبدا؟ هناك أيضا إمكانية توجيه الإعلانات لمنطقة جغرافية محددة، وبالتالي إتاحة فرص الإعلان التلفزيوني الذي كان مقتصرا على الشركات الكبرى للمتاجر والشركات الصغيرة وبتكاليف معقولة. يتيح التوجيه الجغرافي لصاحب محل صغير للوجبات السريعة مثلا عرض إعلانه لمتابعي مباراة لكرة القدم في الأحياء المحيطة به فقط (أي الأحياء الذي يمكنه توصيل وجباته إليها بسهولة).

لكن توجيه الإعلان لن يقتصر على الفئة المستهدفة أو الموقع الجغرافي فقط، بل سيصبح بالإمكان عرض الإعلان في التوقيت الأنسب، كأن يظهر ممثلك المفضل وهو يرتدي قميصا من نوع ما ويظهر في التوقيت نفسه إعلان لهذا القميص على شاشة هاتفك الذكي.

وبما أن الهاتف متصل بشبكة الإنترنت، ويمكنك بواسطته الانتقال بسهولة إلى متجر إلكتروني لشراء هذا القميص، قد يتضمن الإعلان عرضا خاصا لتحفيزك على اتخاذ قرار الشراء الفوري بعد أن أدى ممثلك المفضل دوره في إقناعك بجودة وأناقة هذا القميص.

ويمكن لصاحب مطعم الوجبات السريعة مثلا توقيت عرض إعلانه ليظهر قبل انتهاء الشوط الأول بربع ساعة لكي يشجع المشاهدين على طلب وجباته وتناولها في الاستراحة بين الشوطين. وقد يذهب أبعد من ذلك لعرض الإعلان لمشجعي كل فريق على حدة بعد تسجيل فريقهم هدفا في مرمى خصمه وبالتالي استثمار سعادتهم عاملا يشجعهم على طلب الطعام أو الحلويات.

تمكن هذه الأساليب المعلن من متابعة مردود إعلانه بدقة وقياس مدى تفاعل جمهوره المستهدف مع كل إعلان، وهي ميزات تميزت بها إعلانات الإنترنت منذ نشأتها، لكنها الآن تدخل طورا جديدا يتجلى بتهيئة ظروف عرض الإعلان ليحقق أفضل نتيجة ممكنة، وذلك من خلال دمجه مع تجربة مشاهدة التلفزيون.

لقد تذمر كثير من المعلنين الذين اعتادوا العمل في مجال الإعلان التلفزيوني بسبب اكتساح إعلانات الإنترنت لسوق الإعلان التقليدي، إلا أن تقنية الشاشات المتعددة قد تغير قواعد اللعبة من جديد وتعيد للإعلان التلفزيوني بريقه بعد أن "تعلم" من دقة توجيه إعلانات الإنترنت وقدرتها على تحفيز مشاهدها على اتخاذ القرار. وقد تصدق قريبا نبوءة بيل غيتس ويصبح بمقدور المشاهد حقا شراء تلك الساعة التي أعجبته في يد ممثله المفضل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باحث أكاديمي وخبير في مجال أمن ونظم المعلومات

المصدر : الجزيرة