* د.محمد قاسم

من أكثر التجارب تأثيرا في حياتي والتي أتحدث عنها لطلابي في الكلية هي تجربة القطط، هذه التجربة تبين الأهمية الكبرى للممارسة المباشرة والفاعلة في البيئة المحيطة والتي تحول الإنسان من أعمى في البصيرة إلى مبصر ذهنيا، وهي تبين كيف يتعلم المخ من خلال تفاعله مع الواقع المحيط به.

أتى العلماء بقطتين حديثتي الولادة، ووضعتا في سلتين (التجربة مختلفة نوعا ما، ولكن لتبسيط الفكرة نضعهما في سلتين). عُلقت كل سلة من السلتين بحبل من الأعلى على طرفي عمود أفقي، وثُبت العمود من منتصفه على عمود قائم (تستطيع أن تتصور هذا النظام من خلال تخيل رجل يحمل على كتفيه عمودا أفقيا، ويتعلق بطرفي العمود دلوَا ماء). إحدى السلتين ثقبت من الأسفل أربعة ثقوب لتتمكن القطة الأولى من إخراج أرجلها الأربع خارج السلة لتستطيع المشي على الأرض، وأما السلة الأخرى فلم تكن مثقوبة من الأسفل، ولم تكن القطة الثانية قادرة على إخراج أرجلها أو المشي. تستطيع كلا القطتين رؤية العالم من حولهما، حيث إن رأسيهما كانا خارج السلتين.

أعد العلماء التجربة بحيث إن تحركت القطة الأولى من خلال مشيها على الأرض تحركت معها الأخرى باستدارة حول محور العمود الرأسي، وكذلك لو أن القطة الأولى استدارت حول نفسها فإن القطة الثانية ستستدير حول نفسها أيضا، إذن التجربة معدة بحيث تتحكم القطة الأولى بالقطة الثانية، فكل حركة تقوم بها الأولى ستكون لها حركة مقابلة لدى القطة الثانية من غير أن يكون للقطة الثانية أي تدخل في تلك الحركة.

لدينا الآن قطتان، الأولى تتفاعل مع العالم من حولها بتحركها على الأرض بأرجلها ومن خلال مشاهدتها لهذا العالم، حينما تخطو على الأرض فهي تضع رجلها عليها بناء على ما تراه بعينيها، أما الثانية فهي ترى (فقط ترى) العالم من حولها كما تراه القطة الأخرى، ولكنها لا تتفاعل معه.

أبقيت القطتان عدة ساعات في هذه التجربة يوميا ولمدة ثلاثة أسابيع تقريبا، أما بالنسبة للأوقات الأخرى فقد أُعيدتا إلى أمهما في غرفة حالكة الظلام لكي تتغذيا، كما نعلم أن القطط تستطيع أن ترى إن كانت هناك إضاءة بسيطة، ولكن إن كانت الغرفة مظلمة تماما فلن تتمكن من رؤية شيء، أراد العلماء من التأكد من أن القطتين لا تريان سوى ذلك العالم التجريبي، وأن تُعرَّض كل منهما لنفس الظروف فيما عدا الاختلاف في المشي على الأرض.

بعد أن انتهت الثلاثة أسابيع أُخرجت القطتان من السلتين لتسيرا على الأرض وتتفاعلا مع المحيط بلا أي تدخل، اكتشف العلماء شيئا غريبا جدا، وهو أنه بالرغم من أن عيني القطة الثانية كانتا سليمتين من أي خلل أو مرض، حيث إن لديها القدرة على أن ترى كما ترى القطة الأولى، فإنها أصبحت عمياء، فحينما أرادت أن تمشي على الأرض (وهي قادرة على المشي) كانت تصطدم بالحوائط، وتقع من السلم. ذلك حتى وإن كانت قادرة على الرؤية والمشي، إلا أن العلاقة التي تربط بين ما تشاهده من حولها وبين ما ستفعله أقدامها لم تتكون في المخ. فأصبحت القطة عمياء ببصيرتها وإن كانت مبصرة بأجهزتها البصرية، وأما الأولى فكانت تمشي بأسلوب طبيعي كباقي القطط.

أحث طلابي على ممارسة حل الأسئلة بأيديهم، فإن لم يقوموا بذلك فلن تكون لديهم القدرة على حلها في وقت الاختبار، وبذلك يصبحون عميان بصيرة

ما الذي حدث؟
ما الذي حدث؟ وكيف يمكن أن تكون القطة الثانية عمياء رغم سلامة أجهزتها البصرية والحركية؟ سبب العمى الذي عانت منه يرجع للمخ، فالمخ لم يستطع أن يُكوّن علاقات بين الخلايا العصبية التي توفق بين ما تراه وبين ما ستفعله فيما تراه. ولذلك فإن الإشارات العصبية التي تنتقل من العين إلى المخ لم تكن ليُستفاد منها في تحريك الرجل على الأرض لتوجيهها بالشكل الصحيح.

ولو نظرنا إلى تفاصيل المخ الدقيقة لوجدنا مئات إلى مليارات الخلايا العصبية بحسب نوع الكائن الحي، كل خلية ترتبط بالأخرى بعدد كبير من الوصلات العصبية، وعلى كل وصلة من وصلات الخلايا المسماة بالزوائد الشعيرية (Dendrites) تنمو نقاط صغيرة أو أشواك شعيرية (Dendritic Spines)، هذه الأشواك تشتبك مع أطراف الخلايا الأخرى، ومن خلال هذه الروابط تبدأ الإشارات بالانطلاق فيدب النشاط الكيميائي والكهربائي بين الخلايا، وبتكون هذه الروابط والتفاعلات تتكون قدرة الكائنات الحية على فهم بيئتها لتتفاعل معها.

حينما تنمو الأشواك الشعيرية فإنها تنمو عشوائيا، وبعد نموها -إن نمت بالقرب من عصب خلية أخرى- فإنها تشتبك معها، وبعد الاشتباك مباشرة تتحرك الإشارات بينها، ولكن لكي تنطلق هذه الإشارات بانتظام صحيح لابد أن يكون هناك ما يحفزها، ففي حالة القطة الثانية فإن هذه الروابط لم يتم تفعيلها، وتركت خلايا مخها دون تحفيز فتراجعت وضمرت مرة أخرى، ولم تتكون الروابط بين الخلايا، وذهبت معها قدرة القطة على الاستفادة من المعلومات البصرية. وفي النهاية أصبحت عمياء.

نأتي لمغزى هذه التجربة، حاول أن تتعلم العزف على آلة موسيقية من خلال المشاهدة فقط، هل ستتمكن من العزف؟ حاول أن تتعلم السباحة بالنظر لآخرين يتسابقون في حوض السباحة من غير تحريك يديك ورجليك في الماء، هل ستغامر بإلقاء نفسك في مياه عميقة؟ حاول أن تتحدث الصينية بعد سماعك لبرنامج يعلم اللغة الصينية عدة مرات ومن غير ممارسة، هل ستستطيع أن تعمل مترجما؟

وهكذا أحث طلابي على ممارسة حل الأسئلة بأيديهم، فإن لم يقوموا بذلك فلن تكون لديهم القدرة على حلها في وقت الاختبار، وبذلك يصبحون عميان بصيرة. وهكذا بالنسبة لأي نشاط، ما لم نمارسه، فسنكون مبصرين بأدوات الحس الجسدية، ولكننا سنكون بلا بصيرة بها في العقل. "فإنها لا تَعْمَى الأبْصارُ ولكنْ تَعْمَى القلوبُ التي في الصدُور".


________________
* أستاذ مساعد في كلية الدراسات التكنولوجية-الكويت

المصدر : الجزيرة