* المهندس أمجد قاسم

يتزايد الطلب العالمي على معادن وعناصر التقنيات الرقمية لتصنيع الأجهزة الحديثة، كالهواتف النقالة الذكية والأجهزة اللوحية والحواسيب المحمولة وأجهزة توليد الطاقة الخضراء والخلايا الكهروضوئية والسيارات الكهربائية والشاشات المسطحة وغيرها، وهذه المعادن والعناصر تشمل العناصر الأرضية النادرة وعددا آخر من العناصر، كالبلاتين والإنديوم والليثيوم والكوبلت والجرمانيوم والتنجستن وغيرها، حتى بات الطلب العالمي عليها أكثر من المعروض في الأسواق.

إن تزايد أعداد السكان في العالم، وسعي الكثير من الشعوب إلى امتلاك الأجهزة الحديثة، وتنافس كبريات شركات صناعة الهواتف النقالة الذكية والأجهزة اللوحية المختلفة لترويج منتجاتها في شتى أنحاء العالم، زاد الطلب على معادن التقنيات الحديثة بشكل كبير، حيث يتوقع أن يبلغ الطلب العالمي على العناصر النادرة أكثر من مائتي ألف طن متري في عام 2014، مما أحدث مخاوف في أوساط الشركات المصنعة من نقص إمدادات هذه العناصر ونضوب مواردها خلال السنوات القليلة القادمة.

ويتوقع الخبراء في هذا المجال، أن يشهد المستقبل نقصا واضحا في توفر بعض العناصر الكيميائية المهمة للصناعات الرقمية، وقد زاد من هذه المخاوف لجوء الصين في عام 2009 إلى تقليل صادراتها من العناصر الأرضية النادرة ومن أهمها: الدسبروزيوم والإتربيوم والنيوديميوم، حيث تسيطر حاليا على 97% من مجمل صادرات العالم من هذه العناصر المهمة والحيوية لتصنيع الأجهزة الإلكترونية الحديثة، وذلك رغبة منها في تلبية احتياجات أسواقها التصنيعية المتزايدة ولاعتبارات بيئية.

بالرغم من أهمية هذه المعادن، إلا أن المعلومات حول توفرها على الأرض محدودة جدا، كما أنه من غير المعروف طبيعة العمليات الجيولوجية والظروف التي أدت إلى تكونها وتركزها في بعض المناطق

الندرة مقابل زيادة الطلب
يكتنف عملية استخراج العناصر الأرضية النادرة والمعادن التقنية كثير من الصعوبات التقنية، وينجم عن تعدينها آثار بيئية سلبية، حيث يلزم تجريف مساحات شاسعة من الأراضي، ومعالجات كيميائية معقدة للمواد الخام، كما أنها تتوفر حاليا في أماكن محدودة على الأرض، وبعضها موجود في مناطق غير آمنة وتخضع للنزاعات مما يجعل عملية الاستثمار فيها محفوفة بالمخاطر، على عكس الاستثمار في أسواق النحاس والحديد والألمنيوم.

فالكوبلت مثلا يتم إنتاج 72% منه من جمهورية الكونغو الديمقراطية، أما الديسبروسيوم والإيترييوم فيتم إنتاج 99% منها من الصين التي تنتج أيضا 95% من عنصر النيوديميوم، وهذه العناصر مهمة لصناعة أجهزة توليد الطاقة الخضراء، كذلك فإن نحو 57% من عنصر الإنديوم يستخرج من مناجم في الصين وهذا العنصر المهم يتوفر حاليا بكميات قليلة في الأسواق العالمية.

بالرغم من أهمية هذه المعادن، إلا أن المعلومات حول توفرها على الأرض محدودة جدا، كما أنه من غير المعروف طبيعة العمليات الجيولوجية والظروف التي أدت إلى تكونها وتركزها في بعض المناطق.

إعادة اكتشاف هذه العناصر في العالم
ويقترح الباحثون ضرورة إعادة تقييم مناطق التعدين القديمة، فمثلا مناجم التنقيب عن عنصر التنجستن القديمة في جنوب غرب إنجلترا يمكن أن تحتوي على احتياطات أخرى غير مكتشفة، علما بأنه في عام 2011 تم استخراج 72900 طن فقط من هذا العنصر المهم على مستوى العالم، وكذلك الأمر ينطبق على منجم "ماونتين باس" الذي يقع في صحراء "موجا" في ولاية كاليفورنيا الأميركية، والذي توقف العمل فيه عام 2002، بعد أن تم إنتاج كميات مهمة من العناصر الأرضية النادرة، ويعود السبب المباشر لغلقه إلى المنافسة القوية التي قادتها الصين في مجال تسويق العناصر النادرة التي تنتجها.

كثير من الشركات المصنعة للأجهزة الرقمية تحجم عن الإفصاح عن العناصر الموجودة في أجهزتها، وتعتبرها سرا من أسرارها التصنيعية

من جهة أخرى، فقد واجه استخراج بعض العناصر النادرة اعتراضات من قبل الرأي العام في بعض الدول المتقدمة، ففي عام 2009 تمّ اكتشاف منجم للعناصر الأرضية النادرة في منطقة "نوراكير" في السويد، إلا أن اعتراضات الرأي العام على إنشاء مناجم جديدة كانت عائقا أمام استثمار هذه الموارد الطبيعية، وتتركز معظم هذه الاعتراضات في المخاطر البيئية، كالتلوث البيئي وعمليات الحفر والتنقيب اللازمة.

وبالرغم من أهمية إعادة التدوير لتوفير كميات كافية من معادن التقنيات الرقمية لاستخدامها مرة ثانية، فإنه في كثير من الحالات تكون إعادة تدوير بعضها بعد الاستخدام عملية صعبة، فبعض المعادن لو تمت عملية استعادتها مرة أخرى فإن ذلك يكون غير مجدٍ.

إعادة التدوير لا تقدم الحل الكامل
فعلى النقيض من النحاس والإنديوم والأنتميون، والتي يمكن استعادتها من الأجهزة التالفة، فإن بعض العناصر الأخرى كالتانتالوم والجاليوم والجرمانيوم، وعدد آخر من العناصر النادرة تتعرض للأكسدة ويصبح متعذرا استعادتها من جديد. كذلك فإن جدوى عملية إعادة التدوير تكمن في وجود كمية مناسبة من العنصر المراد استعادته من الجهاز التالف، وحيث إن بعض معادن التقنيات الرقمية يكون تركيزها منخفضا جدا، فإن هذا يؤدي إلى عدم جدوى إعادة تدويرها واستخراجها من جديد.

من جهة أخرى، فإن كثيرا من الشركات المصنعة للأجهزة الرقمية تحجم عن الإفصاح عن العناصر الموجودة في أجهزتها وتعتبرها سرا من أسرارها التصنيعية، مما يجعل شركات إعادة التدوير غير قادرة على تحديد طبيعة العناصر التي يمكن استخراجها من الأجهزة التالفة وكمياتها وأفضل طرق عمليات إعادة التدوير.

إن نظرة سريعة على الدول المنتجة للعناصر الصناعية المهمة، تجعلنا ندرك أن الدول العربية ما زالت خارج نطاق المنافسة العالمية، فعنصر الكوبلت يتم استخراج 72% منه من الكونغو الديمقراطية و5% من كندا و4% من الصين و4% من زامبيا، والنسبة المتبقية من عدد من دول العالم، وعنصر الإنديوم تنتج منه الصين 57% والنسبة المتبقية موزعة بين كندا واليابان وكوريا، وما ينطبق على هذين العنصرين ينطبق على بقية عناصر التقنيات الرقمية التي أصبحت لها سوق رائجة في العالم تتنافس فيها كثير من الدول التي تسعى للسيطرة على تجارة هذه العناصر المهمة والحيوية لصناعة أجهزة المستقبل.

ـــــــــــــــــــــ
* كاتب علمي متخصص في هندسة تكنولوجيا الصناعات الكيميائية

المصدر : الجزيرة