*كاليب شارف

لقد عشنا دائما على كوكب متغير، ولكن العديد من تقلبات اليوم في الحالات المناخية والبيئية تحدث بسرعة استثنائية، وهذا ناجم بشكل مباشر عن سلوكنا. وإبطاء إيقاع التغيير هو مسار العمل المنطقي الوحيد، لو أخذنا بعين الاعتبار النتائج الممكنة، ولكننا في حاجة كذلك لفحص ردود فعلنا بشكل دقيق أو المخاطرة بتكرار سلوكنا قصير النظر. إن المفاجأة هي أن البحث عن الحياة في أماكن أخرى من هذا العالم قد يعطينا منظورا جديدا مهما للغاية.

إن حضارتنا المتقدمة تقنيا -والتي تطفح بالأدوات المتميزة وما يجلب الصداع كذلك- تدين بالكثير إلى تاريخ غني يتعلق بالكون والكواكب. فلو نظرنا على سبيل المثال للنفط والغاز والفحم لوجدنا أن هذه المواد تتألف من حزمة معقدة من الكيمياء الكربونية، والتي تم إنتاجها نظرا لأن علم الأحياء وعلم فيزياء الأرض يعملان ضمن التناغم العميق للتغيرات والتطور والناشئة في أماكن بعيدة جدا عن عصرنا.

إن المعادن والعناصر النادرة في الأرض والتي نستغلها من أجل بناء أدوات مبتكرة والتي توسع من مداركنا هي أيضا جزء من هذا التناغم، ولقد تمكنا من الوصول اليها فقط بفضل سلسلة من الظروف تمتد من الأصول الكوكبية وعلم صفائح الأرض وتأثيرات الكواكب الصغيرة.

إن مسارنا كجنس بشري قد ارتبط بهذا النظام الأحيائي والفيزيائي والكيميائي الممتد من أربعة مليارات سنة، والذي قام بتشكيل وإعادة تشكيل البيئة الكوكبية من البكتيريا وحتى مخططي المدن ومن الأوكسجين في الجو إلى معامل الورق، وبالإضافة إلى جيناتنا فإن كلا منا يحمل جينات عشرات التريليونات من المسافرين الميكروبيين.

إن هذه الكائنات الحية الصغيرة جدا موطن لشفرات تتعلق بالعمليات الأيضية والتي تمت المحافظة عليها عبر العصور، وهي نفس العمليات المسؤولة عن تشكيل العالم، مما يعني أنها مخطط معقول لحياة ناجحة في مكان آخر حتى وإن اختلفت التفاصيل البيوكيميائية.

إن عملنا اليومي يجعلنا نتجاهل هذه الخلفية الوجودية. والصراع من أجل تشكيل مستقبلنا ومن أجل درء الكوارث الإنسانية المتعلقة بالحرب والأمراض والمجاعة لا يترك لنا متسعا من الوقت حتى نفكر بشكل فلسفي فيما يتعلق بمكاننا في هذا الجزء الصغير جدا من الغبار الكوني، ولكن العديد من العلماء بمن فيهم أنا شخصيا لديهم شعور بأن الكون على وشك الوصول إلينا من أجل أن يعطينا صفعة مجازية على الوجه.

لقد سعى العلم الحديث متمثلا بعلم بيولوجيا الفضاء خلال العقود القليلة الماضية أن يحدد ما إذا كانت هناك حياة وموت وتطور في أماكن أخرى من الكون، علما بأنه طالما كان هذا الموضوع موضع تساؤل عند البشر، ولكن كنا نفتقد إلى الأدلة-البيانات الخام.

نحن لم نجد أقرب عالم لنا بعد ولكن من الناحية الإحصائية يجب أن يكون على مسافة 15 سنة ضوئية منا أي أنه قريب جدا وفق المصطلحات الكونية

لقد اكتشف علماء الفلك مجموعة واسعة من الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى. وتقول الأرقام إن 15 إلى 20% من النجوم المشابهة للشمس تحتوي على عوالم تشبه الأرض في حجمها، وتدور حول كيانات نجمية أكبر وعلى مسافات بعيدة توحي بأن سطح تلك الكواكب يمكن أن يكون معتدلا.

نحن لم نجد أقرب عالم لنا بعد، ولكن من الناحية الإحصائية يجب أن يكون على مسافة 15 سنة ضوئية منا، أي أنه قريب جدا وفق المصطلحات الكونية. وهناك فرصة كبيرة أننا سوف نجد هذا العالم مع عوالم أخرى خلال عقد من الزمان، ومن ثم البحث عن وجود علامات لمحيط حيوي غريب في مكونات الغلاف الجوي أو المناخ لتلك العوالم.

أما في نظامنا الشمسي، فلقد اكتشف المسبار كيوروستي التابع لوكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) ما يمكن أن يكون كربونا حيويا في طين أحفوري لقاع بحيرة قديمة على سطح المريخ. كما شوهد يوروبا -وهو القمر المتجمد لكوكب المشتري- وهو يقذف المياه في الفضاء من محيط مخفي يمكن أن يحمل ضعف كمية المياه الموجودة في جميع محيطات الأرض. إن "محاسن الصدف" تزودنا بحرية الوصول لعالم واسع جدا يمكن أن تكون فيه حياة. يجب علينا فقط أن نذهب ونشم الرذاذ المالح.

حتى عدم العثور على شيء في تلك الأماكن شيء مهم لأن تلك البيانات الجديدة لديها قوة توقعية، مما يحصر مجال الكواكب أو الأقمار التي يمكن أن يكون فيها حياة. إن الطبيعة تحوي البيانات التجريبية المهمة والتي نحتاجها حتى نضع الأرض أخيرا ضمن سياق ما، أي ضمن مجموعة من العوالم والتي ظهرت من العصور الجليدية، وهي عوالم انحدرت إلى جحيم غاز الدفيئة وعوالم جديدة وعوالم قديمة وعوالم قاحلة وأخرى يمكن أن يكون فيها حياة، وهذا يعني أنه سوف تكون لدينا بيانات جديدة من أجل توجيه القرارات المتعلقة بإدارة الكواكب.

وبعبارة أخرى، فإن الانتشار الكوني يمكن أن يساعدنا في حل لغز الأنظمة الكونية المعقدة والتاريخ الكوني الذي نحن جزء منه. إن هذه ليست تجربة طائشة وإنما على العكس من ذلك، فإنها يمكن أن تكون المفتاح من أجل التغلب على جهلنا العلمي. إن بإمكاننا أن نخمن العواقب العامة لظاهرة الانحباس الحراري في العقدين القادمين، ولكن التفاصيل ستظل صعبة التوقع كما هو الحال بالنسبة للمستقبل البعيد. إن الشبكات البيولوجية تتغير والموازين الكيميائية تتغير والأجناس تنقرض والأنظمة البيئية تتفسخ وتنشأ أنظمة جديدة، والسياق الكوني سوف يحتاج فترة طويلة قبل أن يتمكن من تنظيم ذلك.

بالنسبة للعديد من الناس، فإن فكرة تخصيص الوقت والموارد لمثل هذه المحاولات -التي تتعلق بعوالم أخرى- يصعب تقبلها، ولكن لو أردنا استدامة الجنس البشري للمستقبل البعيد، فنحن بحاجة لاتخاذ قرارات كبيرة بشكل صحيح. لقد حان الوقت لأن نأخذ النظرة الطويلة بشكل جدي لأننا جربنا النظرة القصيرة بدون تحقيق أي نجاح.
________________
* مدير بيولوجيا الفضاء في جامعة كولومبيا، وكتابه القادم عقدة كوبرنيكوس ينشر في سبتمبر/أيلول 2014.

المصدر : بروجيكت سينديكيت