*د. إلهام سته

يقف العالم كله اليوم مشدوها حائرا وهو يرقب هذه الثورات المحتشدة في دنيا المعلومات. لقد خرج المارد الجبار من قمقمه وشكل حياتنا فجعلها تدور في فلكه الواسع دون هوادة، فأصبح العالم "قرية صغيرة"، ويستطيع أحدنا بلمسة زر أن يحيط بكل ما يدور فيها ويشغلها، فتقلصت المسافات وحل عالم اسمه "مجتمع المعرفة" تغيرت فيه مفاهيم وتصورات وقيم ما كنا نحسبها ستشهد كل هذا التغيير.

ولتفسير هذه التحولات لا بد من الوقوف عند أربعة أبعاد رئيسة، سنعرض لها بشيء من التفصيل:

البعد التاريخي
في البداية لا بد من الانطلاق من البعد التاريخي الذي ينطلق من فكرة استحالة فهم طبيعة مجتمع المعرفة ما لم يتم إدراك كامل لكيفية تراكم المعلومات، وتحليلها، ونشرها عبر مراحل مختلفة من التاريخ البشري. فالانتقال من الكتابة المسمارية إلى الحاسوب كان خطوة كبيرة في تطوير الكتابة في تاريخ البشرية مخلفا ثورات معلوماتية هائلة.

كما لا يفوتنا في هذا الصدد، فحص بعض النظم التقليدية التي استعملت في الماضي لتوفير المعلومات من قبل الناشرين والكتاب وأمناء المكتبات، وكيف تم تجاوزها وتطويرها باستعمال تكنولوجيا المعلومات ووسائل الإعلام الحديثة.

وتجدر الإشارة إلى أن نظم تخزين المعلومات الجديدة والاتصال كان لهما وظيفة مكملة وليست استئصالية لما كان سائدا في السابق، فكما نستعمل أسلوب الكتابة بالقلم -بالرغم من توافر بدائل ميكانيكية عديدة مثل الطباعة والطبع على الآلة الكاتبة وبرامج معالجة الكلمات- سنستمر كذلك في استعمال الكلمة المطبوعة، ولو أن هناك وسائل أخرى متاحة.

البعد الاقتصادي
أما البعد الاقتصادي، فيتناول الخلفية التجارية لصناعة النشر والمعلومات باعتبارها سلعة رائجة يمكن أن يكون إنتاجها وتسويقها باهظ التكاليف. كما يتطرق إلى العمليات التي تدخل في إطار صناعة النشر التقليدية وسبل تطبيقها وتكييفها مع النشر الإلكتروني. ومن أهم دور النشر والصحف العالمية التي تم الحديث عن وظيفتها التنافسية في نقل المعلومات، نذكر على سبيل المثال لا الحصر صحف: صن، وصنداي تايمز، ونيويورك ديلي نيوز، وغيرها الكثير.

البعد السياسي
أما ثالث هذه الأبعاد فهو البعد السياسي لمجتمع المعرفة، الذي يبحث في موضوع العولمة وعن السبل المختلفة التي أدت ببعض المجتمعات من العالم لأن تصير فقيرة معلوماتيا وأخرى غنية معلوماتيا، وهذا لا شك له علاقة وطيدة بما أصبح يعرف بالفجوة الرقمية.

كما يجرنا الحديث عن هذا المجتمع الفريد من نوعه إلى الوقوف عند موضوع أخلاقيات نشر المعلومات، وعن مراقبة المطبوعات وغربلتها، وحقوق النشر أو التأليف، والوقوف أيضا عند اتفاقيات وقوانين مهمة مثيرة للجدل في مجال النشر والتوزيع مثل قانون حرية المعلومات.

البعد المهني للمعلومات
وأخيرا هناك البعد المهني للمعلومات الذي يتناول ثلاث قضايا جوهرية: هي مصادر المعلومات، ونظم وشبكات المعلومات، ووكالات المعلومات، وتاليا توضيح كل منها:

فأما مصادر المعلومات فيجب أن تكون منظمة ومرتبة حتى يتسنى لمستعمليها الاستفادة منها جيدا. ومن أهم المصادر المعلوماتية نذكر المكتبات التي تتطلب ترتيبا خاصا لرفوف الكتب، والمجلات، والبيانات، والصحف. وتتمثل المصادر الأخرى في الكتب التي لا بد أن يراعي فيها ناشروها كتابة واضحة لمحتوياتها، وفهارسها، وتصاميمها، وفي المواقع الإلكترونية التي تتطلب الوضوح والتحديث كل حين.

وتعتبر نظم وشبكات المعلومات شقا مهما في الولوج إلى عالم المعلومة؛ فهي وسائل ناجعة، تستعمل في تخزين المعلومات ونشرها مثل الحاسوب، والإنترنت، والهواتف الذكية، واللوحات الإلكترونية، وغيرها مما نعرف ومما لا نعرف.

أما وكالات المعلومات فهي الشق المهني الذي يتعلق بعملية إخضاع المعلومات لنظام المؤسسات، بحيث تشرف على توزيعها ونشرها وكالات، أو منظمات، أو مؤسسات، أو هيئات، وغيرها مشهود لهم بالمهنية وبالثقة المطلوبة لتجنب ما يسمى بفوضى المعلومات.

وخلاصة القول إنه لا بد للقارئ العربي أن يكون في مستوى التحديات الكبرى التي تفرضها ثورة المعلومات في المجالات السياسية والاقتصادية والمهنية، وأن يكون على دراية بفكرة أن النشر صناعة متطورة وأن لدُور النشر مشاكل في النشر والإنتاج والتوزيع.

ولا بد له أيضا من أن يطلع على القوانين والاتفاقيات الدولية التي تنظم النشر والتوزيع والولوج إلى المعلومة. كما يتطلب العصر الراهن أن يكون القارئ العربي على دراية بالكيفية التي أصبحت تعمل بها المكتبات المحلية والدولية.

________________
* دكتوراه في آداب اللغة العربية وعلومها، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة، ومؤلفة للعديد من الكتب والمقالات المنشورة.

المصدر : الجزيرة