تصاميم بارعة بلا عقل مصمم
آخر تحديث: 2014/4/9 الساعة 14:33 (مكة المكرمة) الموافق 1435/6/10 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2014/4/9 الساعة 14:33 (مكة المكرمة) الموافق 1435/6/10 هـ

تصاميم بارعة بلا عقل مصمم

سياح يتأملون قلاعا عملاقة لحشرة الأرضة في أستراليا (غيتي إيميجز-أرشيف)
سياح يتأملون قلاعا عملاقة لحشرة الأرضة في أستراليا (غيتي إيميجز-أرشيف)

*د. محمد قاسم

حينما ننظر لتاج محل أو جزر النخيل أو برج إيفل أو أي هندسة معمارية فذة، تتبادر إلى الذهن عبقرية المهندس الذي صمم وأدار المشروع لينطبع على أرض الواقع بعد التصميم.

الفكرة تبدأ في مخيلة المهندس المعماري، ثم تتحول إلى رسم على الورق أو على شاشة الحاسوب باستخدام القوانين الرياضية والفيزيائية التي تضمن سلامة المعمار، بعد ذلك ينطلق المهندس لتطبيق البناء على أرض الواقع، مع ملاحظة وإرشاد العاملين لبناء الصرح كما جاء في مخيلته، وكما تمليه عليه قواعد الفيزياء.

قارن هذا البناء الذي نشأ من عقل المصمم البشري مع البناء الذي تقوم به بعض الحشرات، فهناك -مثلا- النحل التي تبني بيوتا سداسية الشكل، والعنكبوت الذي يبني بيته الشبكي بتناسق، وحشرة الأرضة التي تصمم أبنيتها مرتفعة عن الأرض بأعمدة طويلة، فتظهر كما لو أن مهندسا معماريا قديرا خطط لها وأشرف على بنائها.

هذه البيوت والصروح التي تبنيها تلك الحشرات البسيطة لا يمكن أن تكون قد بُنيت بعد تفكر ودراسة ورسومات بيانية وبتخطيط مسبق، ولا إرشادات من مراقب عام، فكيف إذن تُبنى مثل هذه البيوت لتظهر لنا وكأنها صُممت قبل بنائها؟ لا ننسى أن كل هذه الكائنات ليست لديها الخبرة الرياضية ولا الفطنة الهندسية، ولو كانت كذلك لرأينا تعددا في أشكال بيوتها عبر فترات حياتها.

النحل تصنع خلايا سداسية دقيقة لتخفض مستوى استهلاك الشمع (الأوروبية-أرشيف)

كيف تبني
نحن هنا لا نتحدث عن هدف صناعة هذه الأشكال، فالنحل -مثلا- يصنع الأشكال السداسية لأنها تُخفِّض من مستوى استهلاك الشمع بأقل من تلك التي تُبنى رباعية أو ثلاثية الشكل، وكذلك بناء الصروح الكبيرة لحشرة الأرضة يقدم لها طاقة هوائية تبرد أجسامها، فعددها الهائل بداخل بيوتها يُنتج ما يعادل الحرارة التي ينتجها خروف أو بقرة، وهو ما سيقضي عليها. لندع هذه الأسباب جانبا وننظر في الكيفية، كيف يمكن لهذه التصاميم معقدة النشوء من حشرات لا تعرف مبادئ التصميم الهندسي؟

إن جئنا إلى النحل وجدنا أنه يصنع خلايا سداسية دقيقة جدا، فأطوال أضلاعها لا تختلف عن بعضها إلا بدرجة بسيطة جدا، وزواياها متساوية أيضا، قد يخيل للناظر أن النحل يعرف كيف يصنع الخلية السداسية بدقة، ولكن العلماء اكتشفوا أنها تصنع خلايا دائرية بحجم أجسامها في البداية، ثم تعرضها لحرارة أجسادها ليذوب الشمع، وبفعل شد سطح الجدران على بعضها تتحول إلى أشكال سداسية، وهذه الجدران المستقيمة تتشكل كما تتشكل جدران فقاقيع الصابون، لتتحول من دائرية إلى مسطحة حينما تلتصق ببعضها.

وكذلك، فإن العنكبوت حينما يبدأ صناعة البيت الشبكي فهو يبدأ بخيط واحد رفيع ناعم يرميه في الهواء، فتحمله الرياح إلى أن يلتصق بطرف آخر بعيد، حينها يبدأ بالعمل، ويتحرك العنكبوت على ذلك الخيط الأفقي ليُدعّمه بخيط آخر ضامنا تماسكه، ثم يبدأ بالنزول من منتصف الخيط الطويل إلى الأسفل بخيط آخر يُلصِق طرفه في الأسفل، ليصبح لديه شكل حرف (Y) من هذه الخيوط، بعد ذلك يتحرك ليصنع شعاعا من الخيوط معتمدا على تلك البنية الأولية، وبعد اكتمالها يبدأ في الوسط ويتحرك حلزونيا، حائكا خيطا طويلا يصنع منه هيكل الشبكة، ثم بعد ذلك يعود من الخارج إلى الداخل مزيلا الهيكل مستبدلا إياه بخيوط أكثر لزوجة، وبمسافات أقصر بين كل دائرة وأخرى. هذه الخيوط تتشكل باستخدام الرجل كمسطرة لقياس المسافات بين كل دائرة والتي تليها لتكوين الحلزون المتناسق.

إن قلنا إن العنكبوت يفهم في المعمار وهو يقرر ما يعمل استنادا إلى ما يراه، فكيف إذن بالأرضة العاملة التي تبني بيوتها العامودية وهي عمياء؟ هي لا تستطيع أن ترى شكل وهيكل البناء، فكيف لها أن تبني أكثر البيوت تعقيدا وإبهارا في مملكة الحشرات، لترتفع بعض تلك البيوت لتصبح أطول من رجلين يقف أحدهما فوق الآخر، وتحتوي على أنابيب وفتحات تهوية وشرائح وغيرها.  

ولو أننا قارنا ارتفاع بعض أبنية الأرضة مع حجمها، ثم ضخمنا هذه الأبنية لتصبح الأرضة بحجم الإنسان، لارتفعت أبنيتها ميلا واحدا، أي أن ارتفاعها سيكون ضعف أطول مبنى بناه الإنسان في تاريخ البشرية وهو برج خليفة.
العنكبوت يبني أوهن البيوت بتناسق فذ
(رويترز-أرشيف)

استقلالية
كل واحدة من هذه الحشرات، وإن كانت تبدو كأنها تعمل مع الجميع، فإنها تعمل باستقلالية، فلا تخاطب أي منها الأخرى لنقل معلومات البناء الكلية، ولا توجد خطة مركزية تعمل عليها، حتى وإن ظهرت الأشكال التي تُبنى وكأنها مصممة، فإن الحشرات تُنشئها اعتمادا على قوانين محلية خالية من التعقيد.

هي لا تعرف إلام سينتهي التصميم النهائي، ولكن إن عملت كل واحدة منها ببرمجتها المشفرة في جيناتها مع ما هو بالقرب محليا منها ستكون المحصلة النهائية هذه الأبنية الرائعة.

فالعنكبوت يحيك بيته اعتمادا على النقطة التي وصل إليها، فيأخذ مقياسا بطول رجله ثم يلصق خيطه في تلك النقطة، والنحلة تضع الشمع على شكل دائرة، لتكون هذه الدائرة ملتصقة بالأخرى، ثم تُحمي الشمع ليصبح سداسيا بفعل قوانين الفيزياء، والأرضة تضع حبة رمل وتأتي أخرى وتقرر إن كانت ستضع حبة رمل أخرى فوق تلك أو أنها تضعها بجانبها، ولو أن جزءا من هذا البناء هُدم، لن يحرك ذلك قرنا استشعاريا واحدا في هذه الحشرات، فهي تعمل بما يكون حولها ابتداء من الوضع القائم الذي وجدته أمامها مهما كانت حالة البناء، وهكذا إلى أن ينتهي البناء بالكامل.

ما الفائدة من العمل بهذه الطريقة؟ من أهم الفوائد هو أنه إذا ما نفقت العديد من الحشرات في مستعمرة معينة فإن العمل لا يتوقف، فلا تحتاج أية واحدة من تلك الحشرات للأخرى لإكمال العمل، وفي ظل عدم وجود مهندس عام يرشد الجميع فلن يكون هناك تخوف من فقدان خطة عمله أو إرشاداته.

مثل هذه البصيرة قصيرة المدى في عالم الحيوان تصنع منشآت معقدة، وهي كافية لأن يتوقف الإنسان عندها ويتأمل في سحرها، ثم ليضع فطرة تلك الحشرات في عداد العقول البارعة في التصميم.


__________________
* أستاذ مساعد في كلية الدراسات التكنولوجية-الكويت

المصدر : الجزيرة

التعليقات