*د. وحيد محمد مفضل

يُعرف التصحر -بحسب المادة الأولى من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر- على أنه تردي الأراضي في المناطق القاحلة وشبه القاحلة والجافة نتيجة عوامل شتى طبيعية وبشرية، بما يؤدي إلى فقدان قدرة الأرض على الإنتاج الزراعي ودعم الحياة. وهي ظاهرة عالمية طفت على السطح بقوة منذ ستينيات القرن الماضي، حينما ضربت موجات عديدة من الجفاف بقاعا شتى عبر العالم، مسببة خسائر بشرية واقتصادية وبيئية فادحة.

ولقد تفاقمت هذه الظاهرة وازدادت حدة خاصة خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث تشير التقديرات إلى أن العالم يفقد كل عام نحو عشرة ملايين هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، بسبب التصحر.

وتُعد القارة السوداء -أفريقيا- الأكثر تأثرا بها، حيث يصنف ثلثا مساحة هذه القارة على أنه صحراء أو أراض قاحلة غير منتجة. كما يعاني الوطن العربي بشدة من هذه الظاهرة بسبب وقوعه ضمن النطاق الصحراوي وشبه الصحراوي الممتد من شمال أفريقيا إلى آسيا. وتشكل نسبة المساحات المتصحرة والأراضي القاحلة في المنطقة حوالي 88% من إجمالي المساحة الكلية، بما يوازي 13 مليون كيلومتر مربع، أي حوالي 28% من إجمالي المناطق المتصحرة على مستوى العالم.

وتتفاوت مساحة الأراضي الجافة والمتصحرة من دولة عربية إلى أخرى، ففي دولة الكويت تصل نسبة الأراضي الصحراوية والقاحلة إلى حوالي 90% من مساحة الدولة. وفي قطر تبلغ نسبة الأراضي المزروعة والمناطق الرعوية حوالي 7% بينما تتشكل بقية المساحة من صحاري وأراض جافة غير مأهولة. وفي مصر لا تزيد نسبة الأراضي المأهولة والمستزرعة عن 6% من المساحة الكلية للدولة. 

يمكن أن تزيد شدة التصحر إلى الدرجة الرابعة، أي التصحر الشديد جدا، حينما تظهر في المنطقة الكثبان الرملية الكبيرة والأخاديد وأعراض تملح التربة

درجات وأشكال التصحر
تختلف حالات التصحر ودرجة خطورته بشكل عام من منطقة لأخرى تبعا لاختلاف العوامل المسببة، سواء كانت طبيعية أم ناتجة عن الأنشطة البشرية.

كما قد تختلف درجة وحدة التصحر في ذات المنطقة من وقت إلى آخر، زيادة أو نقصانا، تبعا للعوامل نفسها. فقد كانت الكويت على سبيل المثال، تعاني حتى وقت قريب من التصحر المتوسط، لكن بداية من عام 1991 بدأت الحالة تتحول إلى تصحر شديد، وهذا بسبب تدهور الغطاء النباتي وزيادة مساحة الأراضي المتصحرة.

كما تتباين مظاهر وأشكال التصحر من منطقة إلى أخرى ومن وقت لآخر، لكنها لا تخرج في العادة عن أحد الدلائل والمؤشرات الطبيعية التالية:

* زيادة رقعة المساحة الصحراوية الجرداء وزحفها جهة المناطق الإستراتيجية والسكنية.
* غزو الكثبان الرملية للأراضي الزراعية وتراكم الرمال بالمناطق الرعوية والعمرانية.
* زيادة حدة العواصف الغبارية ونسبة الأملاح في الأراضي الزراعية (تملح التربة).
* إزالة الغابات وتدمير الأشجار والنباتات لصالح المشروعات التنموية.
* زحف المناطق العمرانية وبناء المنشآت على حساب التربة الزراعية.

وتبعا لهذه المؤشرات، يمكن تصنيف التصحر إلى أربع درجات أو فئات مختلفة. تصحر خفيف، ويستدل عليه بحدوث تلف بسيط جدا في الغطاء النباتي والتربة. وتصحر معتدل، ويحدث حينما يصاب الغطاء النباتي بتلف من الدرجة المتوسطة، مع ظهور كثبان رملية صغيرة أو تملح بسيط في التربة.

أما الدرجة الثالثة من التصحر فتتمثل في التصحر الشديد، ويحدث حينما تنتشر النباتات والحشائش غير المرغوب فيها بكثافة في المنطقة على حساب النباتات المنتجة والمفيدة. في حين يمكن أن تزيد شدة التصحر إلى الدرجة الرابعة أي التصحر الشديد جدا، حينما تظهر بالمنطقة الكثبان الرملية الكبيرة والأخاديد وأعراض تملح التربة، وحينما تنخفض إنتاجية الأراضي المتاحة بشكل واضح ومؤثر.

الدوافع والأسباب
وترجع أسباب التصحر إلى عوامل عديدة طبيعية وبشرية. وتتمثل الأسباب الطبيعية في تفاقم ظاهرة التغير المناخي وتناقص تساقط الأمطار، وزيادة موجات الجفاف ومعدلات انجراف التربة وتملحها. كما تسهم أيضا حرائق الغابات وزحف وطغيان الكثبان الرملية على الأراضي الزراعية والمناطق الرطبة في تقليص المساحات الزراعية وزيادة نسبة التصحر.

وتتمثل الأسباب البشرية في الضغوط الناتجة عن الزيادة السكانية، والممارسات الخاطئة وغير المراعية لقدرات النظم البيئية وطبيعة التربة، مثل الرعي الجائر وتجريف التربة الزراعية وإزالة الغابات وتحويل المجاري المائية وأنشطة التعدين، وردم أو تجفيف المسطحات المائية.

كما يمكن أن تؤدي الحروب والعمليات العسكرية والصراعات القبلية وغيرها من النزاعات المسلحة إلى زيادة وتفاقم ظاهرة التصحر، وهذا من واقع المهام الدفاعية والهجومية التي تتخللها، مثل حفر الخنادق وزرع الألغام وتفجير المنشآت، وغير ذلك.

ويمثل أيضا تجفيف الأراضي الرطبة وتجريف الأراضي الزراعية لصالح المشروعات التنموية وبناء المساكن والمناطق العمرانية، عاملا مهما ومؤثرا في زيادة نسبة التصحر. والأمثلة كثيرة على هذا، فمنطقة الأهوار بالعراق -وهي واحدة من أهم المناطق التاريخية وتعد في نفس الوقت من أغنى المناطق الرطبة من حيث الإنتاجية والتنوع البيولوجي- تعرضت مناطق كثيرة فيها للتصحر وتقلصت مساحتها إلى أقل من 7% من المساحة الأصلية التي كانت عليها في سبعينيات القرن الماضي، بسبب التجفيف المتعمد وقطع مصادر المياه عنها، وغير ذلك من الممارسات البشرية الخاطئة. والأمر نفسه ينطبق على حالة بحيرة تشاد، حيث أدت موجات الجفاف المستمر التي تعاني منها إلى تقلص مساحتها بنسبة 95% عما كانت عليه في ستينيات القرن الماضي.

في كل الأحوال، يؤثر التصحر سلبا وبصورة كبيرة على الأمن الغذائي، لا سيما في المناطق والمجتمعات الزراعية

الآثار والتداعيات
وللتصحر نتائج وتداعيات بيئية واقتصادية واجتماعية وسياسية ممتدة وخطيرة للغاية. فتبعاً لتقديرات الأمم المتحدة فإن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن التصحر تقدر بحوالي 42 مليار دولار أميركي سنوياً، يبلغ نصيب أفريقيا وحدها من تلك القيمة ما يقرب من تسعة مليارات دولار. وتنتج الخسائر الاقتصادية من ضعف الإنتاج وتدني فرص العمل ومستوى الدخل الفردي والقومي.

ومن الناحية الاجتماعية يؤدي التصحر إلى زيادة نسبة الفقر وهجرة السكان من المناطق القاحلة إلى حيثما يوجد الغذاء والماء، وهو ما يعني تحول ملايين الأشخاص من مستوطنين للأرض إلى لاجئين مشتتين ليس لهم مأوى أو مصدر غذاء أو لديهم وسيلة لكسب الرزق أو العمل، مما يترتب عليه أعباء إضافية على الحكومات والإدارات المحلية المعنية نتيجة عجزها عن توفير الخدمات وسبل الإعاشة.

كما يمكن أن تؤدي الهجرات الجماعية الناتجة عن التصحر إلى قلاقل واضطرابات سياسية عويصة، بل يمكن أن يتطور الأمر إلى نزاعات مسلحة نتيجة الصراع على موارد المياه والغذاء المتاحة، تماما مثلما حدث في إقليم دارفور غربي السودان.

وفي كل الأحوال فإن التصحر يؤثر سلبا وبصورة كبيرة على الأمن الغذائي، لا سيما في المناطق والمجتمعات الزراعية، حيث تؤدي ظاهرة التصحر إلى بوار المحاصيل ووقف إمدادات الموارد الزراعية.

أما من الناحية البيئية، فالتصحر يمكن أن يتسبب أيضا في نتائج وتداعيات وخيمة على البيئة، وهذا بسبب دوره في فقدان التنوع الأحيائي وزيادة معدلات انجراف وتآكل التربة ومعدلات حدوث العواصف الترابية، وتدني بالتالي إنتاجية المراعي والأراضي الزراعية، وبسبب دوره أيضا في فقدان قدرة النظم البيئية على الحياة وعلى التكيف مع ظاهرة التغير المناخي.

أبعاد عالمية
وللتصحر أبعاد عالمية تتمثل فيما يعرف بعولمة التصحر، ذلك لأن الأضرار السياسية والاجتماعية الناتجة عن تفاقم هذه الظاهرة بمنطقة ما إقليمية، يمكن أن تمتد إلى مناطق أخرى بعيدة، وهذا من واقع ما تفرضه هذه الظاهرة المدمرة من زيادة حدة ظاهرة التغير العالمي للمناخ، ومن واقع دورها أيضا في اندلاع النزاعات والاضطرابات الإقليمية والدولية، كما حدث مثلا في أزمة دارفور والحرب الأهلية في الصومال.

ومن الاعتبارات الأخرى التي ترسخ فكرة عولمة التصحر، امتداد الآثار البيئية للتصحر إلى مناطق أخرى أبعد كثيراً من المناطق المتضررة، ومن ذلك ما يقال عن هجرة الغبار الأفريقي عبر المحيط الأطلسي، من منطقة الصحراء الكبرى إلى السواحل الأميركية المواجهة، مسببا انتشار مجموعة من الأمراض الطفيلية في الإنسان والحيوانات الفطرية المتواجدة بسواحل فلوريدا والمناطق المجاورة، وهو نفس ما ينطبق على تأثير غبار صحراء جوبي بالصين على الموائل الطبيعية البحرية باليابان.

تتطلب جهود المكافحة سنَّ التشريعات والأطر القانونية المناسبة، وإعداد إستراتيجيات وطنية وإقليمية جادة وفعالة، بحيث تأخذ بعين الاعتبار جميع الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والثقافية

سبل الحد والمكافحة
تتطلب مكافحة ظاهرة التصحر تضافر الجهود بين كافة الجهات الحكومية والمحلية المعنية، كما تتطلب اتخاذ مجموعة من الإجراءات المتكاملة والرشيدة التي تهدف في الأساس إلى إعادة تأهيل المناطق المتصحرة وإحياء خصوبة الأراضي الزراعية فيها، وإرجاع التوازن البيئي بالمناطق المتدهورة لحالته الصحية والسلمية التي كان عليها قبل التصحر.

ويمكن أن يتحقق هذا عبر حزمة من الإجراءات المتكاملة، مثل دعم مشاريع التشجير والتخضير، ومنع تجريف الأراضي الزراعية وقطع الأشجار، ووقف أعمال الحفر والردم العشوائية، وإجراء صيانة دورية للموارد المائية المتاحة، وهذا فضلا عن تثبيت الكثبان الرملية، وتكثيف الغطاء النباتي بما يساعد على تثبيت التربة ومنع انجرافها أو تعريتها.

كما تتطلب جهود المكافحة سن التشريعات والأطر القانونية المناسبة، وإعداد إستراتيجيات وطنية وإقليمية جادة وفعالة بحيث تأخذ بعين الاعتبار جميع الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والثقافية، وهذا فضلا عن تنمية وتعميق الوعي البيئي بأسباب ومخاطر ظاهرة التصحر وتدهور الأراضي، وتشجيع البحوث وإمكانيات البحث العلمي والتدريب في البلاد في مجالات التصحر والجفاف، والاستعانة بالتقنيات الحديثة من أجل تحديث البيانات والمعلومات المتاحة عن المناطق المعرضة للتصحر ودرجة التصحر أولا بأول.

وقد نجحت عدة دول عربية -خاصة في منطقة الخليج العربي- في الحد من ظاهرة التصحر عبر اتباع مجموعة من السبل الرشيدة. ومن تلك الدول دولة الإمارات، التي نجحت في استزراع مساحات كبيرة من المناطق القاحلة بأشجار النخيل والنباتات الأخرى القادرة على تحمل الجفاف. كما أخذت دولة الكويت خطوات جادة نحو مكافحة التصحر في أراضيها من خلال مشاريع التحريج القائمة على تشجير المناطق الصحراوية عبر زراعة أشجار السدر والصفصاف المقاومة للجفاف والملوحة، وريها بمياه الصرف الصحي المعالجة وغير المعالجة، ومن خلال أيضا إعادة تأهيل المناطق الصحراوية، والتوسع في إقامة المحميات الطبيعية.

كما قامت دولة قطر باتخاذ إجراءات مماثلة، وإن زادت على ذلك بتبني حملات ومشاريع لتثبيت الكثبان الرملية ومنع تحركاتها بمختلف الطرق، حيث تشكل هذه الكثبان العامل الرئيسي وراء زيادة نسبة الأراضي المتصحرة بالبلاد.

أما على مستوى الأفراد والجماعات والمنظمات الأهلية، فيمكن الحد من ظاهرة التصحر، عن طريق الاستخدام الرشيد للمناطق الخضراء والموارد المائية المتاحة، وتباع الحس البيئي في كل الممارسات، وعدم إلقاء المخلفات وبقايا الردم عشوائيا، ومنع الرعي الجائر واستقطاع الأشجار وتبوير الأراضي، وغير ذلك من الأنشطة التي يشكل دور الفرد فيها الركيزة الأساسية للحفاظ على إنتاجية الأراضي ومقاومة ظاهرة التصحر.

________________
* باحث وكاتب علمي، حاصل على الدكتوراه في الدراسات البيئية، ويعمل حاليا أستاذا مشاركا في قسم الجيولوجيا بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد بالإسكندرية، مصر.

المصدر : الجزيرة