* د. محمد قاسم

اشتكى وليد إلى صديقه أنور ازدياد سوء حظه في يوم واحد، حيث إن سلسلة من الأحداث المتتابعة سيئة الحظ أدخلته المستشفى، فبعد أن خرج من بيته في الصباح الباكر اصطدم بسيارة في الطريق، فأتلفت مقدمة سيارته، كما تأخر عن تسليم مشروع كان يجب عليه تقديمه إلى رئيسه في العمل، فخصم منه رئيسه مبلغا من المال عقابا له، وحينما رجع إلى المنزل انزلق على قشرة موز فوقع على الأرض وانكسرت رجله. وعزا وليد عثرات حظه المتتالية إلى قطة سوداء مرّت أمامه في صباح ذلك اليوم المشؤوم، فتوالى كابوس الأحداث.

هنا نتساءل، ما الذي يجعل وليد يعتقد أن القطة تسببت في ما حدث له؟ وهل فعلا يستطيع أن يربط بين ما حدث له ربطا سببيا مع مرورها أمامه؟ كثيرا ما تحدث لنا مجموعة من الحوادث السيئة أو حتى الإيجابية، وفي محاولة منا لفهم سبب حدوث هذه الأمور نجد أنفسنا نتجه إلى تفسيرات خاطئة، ويحدث ذلك بالخصوص حينما يتزامن الحدث السيئ أو الإيجابي مع حدث آخر يكون قريبا زمنيا منه (كما حدث في قصة وليد). حدوث التزامن بين أمرين لا يعني بالضرورة أن أحدهما تسبب في الآخر.

لنفترض أن وليد قام بدراسة ميدانية على شواطئ الجميرة بدبي، ولاحظ أنه حينما ترتفع مبيعات "الآيس كريم" ترتفع حالات الغرق في البحر، هل يمكن لوليد أن يستنتج أن أكل "الآيس كريم" يتسبب في الغرق؟ إن لم يكن فطنا بدرجة تجعله يفهم كيف تتحرك الحياة من حوله، لن يستطيع أن يفهم أن هذه العلاقة خاطئة، ولو بحثنا قليلا في هذه العلاقة التزامنية قد نكتشف أن سبب ارتفاع مبيعات "الآيس كريم" هو أن الناس تذهب إلى البحر في فصل الصيف بكثرة، فتزداد بذلك المبيعات، وبما أن أعداد الناس ازدادت، فذلك يعني أن حالات الغرق في فترة الصيف ستزداد أيضا. إذن، فالسبب في زيادة الغرق لن يكون في هذه الحالة أكل "الآيس كريم"، بل سيكون بسبب تزايد أعداد الناس الذين خرجوا للسباحة، فاشتروا كميات أكبر من "الآيس كريم".

وهكذا، فإن تفسير الكثير من الأمور من حولك يجب أن يعتمد على التحليل السليم والتجربة الدقيقة لفهم المعطيات وارتباطها ببعضها البعض، فلا يمكن القول بعد شفائك من مرض معين إن شفاءك كان بسبب أكلك طعاما معينا، أو أن نجاحك في اختبار الرياضيات كان بسبب الشريط الأزرق اللون الذي لبسته على يدك، أو نجاح تجارتك كان بسبب عملة الدينار الأولى المعلقة على حائط المحل ببرواز من ذهب. كل هذه الأمور يجب أن تكون موضع التجربة العلمية لإثبات ترابطها مع بعضها البعض ارتباطا سببيا.

لماذا شعر وليد بأن ما حدث له هو شؤم وليس حدثا طبيعيا من الأحداث اليومية؟ فكلنا نصاب بأمور سلبية وإيجابية خلال يومنا، لكننا لا نتشاءم، حالة وليد تختلف قليلا عن الوضع المعتاد، وتحتاج لنظرة فاحصة.

قبل أن نحاول الإجابة عن هذا السؤال لنقم بتجربة بسيطة: الحروف التالية ترمز لرمي عملة معدنية في الهواء، ثم هبوطها على أحد الأوجه، لنرمز للصورة في العملة بـ(ص) وللوجه المحتوي على المبلغ بـ(م). لنفترض أنني رميت العملة عدة مرات وتلقفتها، وكانت النتيجة هي أحد السطرين التاليين:

ص م ص م م ص ص م ص م ص م م ص م ص م ص ص م ص م م م ص ص

ص ص ص م ص ص ص ص ص ص م م م ص ص ص ص م م م م م م ص

أما السطر الآخر (أحد السطرين) فقد قمت بتأليفه من عندي وهو ليس عشوائيا، السؤال الآن: أي السطرين تعتقد أنه لرمي العملة عشوائيا، وأيهما من تأليفي؟ إذا ما أجبت بأن السطر الأول هو العشوائي لأنه متعادل نسبيا بين "ص" و "م" ولا يحتوي على "تواليات" فقد أخطأت، الصحيح أن السطر الثاني هو العشوائي، حتى وإن توالى ظهور الوجه نفسه عدة مرات. وهكذا، فإن العشوائية في الطبيعة أحيانا تتلبس بلباس منتظم ليبدو للملاحظ وكأنه غير عشوائي، والحقيقة أن العشوائية تأتي بتراتيب غير متوقعة فتضفي على نفسها طابع الارتباط بأحداث أخرى لنهرول باحثين عن الأسباب، وحينما لا نجدها نتصور وجود تعليلات قد تكون غير منطقية.

وهكذا، حينما أصيب وليد بعدة أحداث سيئة ومتتالية، فبدلا من أن يظن أنها عشوائية اعتقد أنها مُسببة ومتعمدة، وبحَث عن سبب أدى لهذه الأحداث (ولعل من أبرز من كتب في هذه الموضوع هو العالم الحائز على جائزة نوبل "دانيال كانامان" في كتابه "التفكير، بسرعة وببطء").

هذه العشوائية مدروسة بدقة متناهية، ولولا الدراسات الرياضية المعقدة التي تأتي تحت أبواب "الإحصاء" و"المتغيرات العشوائية" و"العمليات العشوائية" لما استطعت اليوم التحدث في هاتفك النقال، ولما استطاع العلماء صناعة دواء ولا علاج الأمراض الوبائية، ولا دراسة ميكانيكا الكم، ولا التنبؤ بالمناخ، ولا "سَلْسَلَة" الجينات، وأمور أخرى كثيرة لا تحصى، كلها اعتمدت على قواعد سليمة لتحليل كيفية عمل الطبيعة إحصائيا.

أما ما يشعر به وليد من ترابط بين توالي الأحداث السلبية والقطة، فلا مبرر لها، وهو مخدوع بالعشوائية، ولو فهم كيف تعمل لما اتهم القطة السوداء البريئة.

_____________
* أستاذ مساعد في كلية الدراسات التكنولوجية-الكويت.

المصدر : الجزيرة