يرى الكاتب ديفد هون أنه رغم سعي الدول لزيادة الاعتماد على استخدام الطاقة المتجددة فإن استخدام الوقود الأحفوري سيظل حاضرا لعقود مقبلة، وأن الحل الأمثل للحد من انبعاثات الكربون هو احتجازه وتخزينه في باطن الأرض.

يرى الكاتب أن الاعتماد على الوقود الأحفوري لن يقل لعقود مقبلة (الأوروبية-أرشيف)

ديفد هون-لاهاي

ينظر المراقبون على الدوام إلى مصادر الطاقة المتجددة وكفاءة استخدام الطاقة، سواء في قمم الأمم المتحدة لتغير المناخ أو في أي من العديد من منتديات "النمو الأخضر"، باعتبارهما الحل لظاهرة الانحباس الحراري العالمي، حتى أن صناعة الفحم تبنت خط الكفاءة في بيان وارسو الصادر قبيل انعقاد قمة الأمم المتحدة لتغير المناخ الأخيرة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

ولكن من خلال نظرة فاحصة إلى نظام الطاقة العالمي، والتحلي بفهم أكثر دقة للتحدي الذي تفرضه الانبعاثات، سوف يتبين لنا أن الوقود الأحفوري من المرجح أن يظل مهيمنا طوال هذا القرن، وهذا يعني أن عملية احتجاز الكربون وتخزينه قد تكون التكنولوجيا الحاسمة في تخفيف التأثيرات المترتبة على تغير المناخ.

إن التركيز الواسع النطاق على الكفاءة والطاقة المتجددة ينبع من انتشار وحدة الكايا التي أنشأها رجل الاقتصاد الياباني يويوتشي كايا عام 1993.

كان كايا يحسب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بضرب مجموع السكان في نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي، وكفاءة استخدام الطاقة (استخدام الطاقة عن كل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي)، وكثافة استخدام الكربون (ثاني أكسيد الكربون عن كل وحدة من الطاقة).

ونظرا لعدم جدوى محاولة الفوز بالدعم لمقترحات تقوم على إدارة السكان أو تحديد أسقف لثروات الأفراد، فإن التحليل باستخدام وحدة الكايا يميل إلى تجاوز الشرطين الأولين، الأمر الذي يجعل كفاءة استخدام الطاقة وكثافة الكربون المحددين الأكثر أهمية لإجمالي الانبعاثات.

ولكن هذا التفسير المريح لا يتوافق مع الواقع، فالحقيقة هي أن معدل إطلاق ثاني أكسيد الكربون إلى نظام المحيطات والغلاف الجوي أكبر بأشواط عديدة من معدل عودته إلى التخزين الجيولوجي من خلال عمليات مثل التجوية والترسب في المحيط. وفي هذا السياق، فإن ما يهم حقا هو الكمية التراكمية من ثاني أكسيد الكربون التي يتم إطلاقها بمرور الوقت، وهي الحقيقة التي أدركها الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ في تقرير التقييم الخامس الصادر عنه مؤخرا.

منذ بداية العصر الصناعي قبل 250 سنة أُطلق إلى الغلاف الجوي نحو 575 مليار طن من الوقود الأحفوري والكربون المثبت في الأرض -أكثر من تريليوني طن من ثاني أكسيد الكربون، الأمر الذي أدى إلى تحول في توازن الحرارة العالمية وزيادة محتملة بمقدار درجة مئوية واحدة في درجة حرارة السطح (وسيط توزيع النتائج). وبالمعدل الحالي، قد نصل إلى تريليون طن من الكربون أو ارتفاع الحرارة بنحو درجتين مئويتين بحلول عام 2040.

ولا تتفق وجه النظر هذه مع الآليات السائدة لقياس التقدم في مجال الحد من الانبعاثات والتي تستهدف نتائج سنوية محددة، ورغم أن الحد من التدفق السنوي من الانبعاثات بحلول عام 2050 على سبيل المثال سوف يكون خطوة إيجابية فإن هذا لا يضمن بالضرورة النجاح من حيث الحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية في نهاية المطاف.

استخدام الصين الطاقة المتجددة
لم يخفف حدة التلوث فيها (الأوروبية-أرشيف)

معيار الكفاءة
ومن منظور المناخ فإن ارتفاع الحرارة بمرور الوقت من الممكن أن يعتبره البعض أقرب إلى الاعتماد على حجم قاعدة الموارد من الوقود الأحفوري وكفاءة الاستخراج بسعر معين للطاقة، ومع زيادة كفاءة سلسلة العرض تزداد أيضا كفاءة استخراج واستخدام الموارد نتيجة لذلك، وفي نهاية المطاف يتزايد تراكم ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وهذا يعني أن الكفاءة قد تؤدي إلى زيادة الانبعاثات وليس الحد منها.

الواقع أن الكفاءة لم تنجح منذ الثورة الصناعية في إحداث ثورة من خلال الإبداع إلا في حفنة من اختراعات تحويل الطاقة الأساسية: محرك الاحتراق الداخلي، والمحرك الكهربائي، والمصباح الكهربائي، وتوربينات الغاز، والمحرك البخاري، وفي وقت أقرب إلى الزمن الحاضر الدائرة الكهربائية، وفي كل الحالات الأخرى كانت زيادة الكفاءة تقابلها زيادة في استخدام الطاقة وإطلاق الانبعاثات، خاصة أن زيادة الكفاءة كانت سببا في تحسين القدرة على الوصول إلى قاعدة الموارد الأحفورية.

والواقع أن الجهود التي تبذلها البلدان بهدف زيادة الاعتماد على إمدادات الطاقة المتجددة غير فعالة بالقدر نفسه، لأن الطاقة المزاحة القائمة على الوقود الأحفوري تظل جذابة اقتصاديا، وهذا يعني أنها تستخدم في مكان آخر أو في وقت لاحق. وفي حالة الاقتصادات السريعة النمو مثل الصين فإن نشر الطاقة المتجددة لا يحل محل الوقود الأحفوري على الإطلاق، بل تستخدم أشكال الطاقة المتجددة بدلا من ذلك كمكمل للإمدادات المقيدة من الوقود لتيسير النمو الاقتصادي الأسرع.

وباختصار، فإن وضع كل الرهانات على تفوق استيعاب الطاقة المتجددة على النمو القائم على الكفاءة، وافتراض أن تحسين الكفاءة من شأنه أن يدفع الطلب إلى الانخفاض، قد يكون مقامرة حمقاء.
إن حشد الدعم والإرادة السياسية لفكرة احتجاز وتخزين الكربون -بدلا من البحث عن الأساليب المشتقة التي تسيء تفسير طبيعة المشكلة- سوف يكون التحدي الحقيقي لعام 2030 وما بعده

نموذج جديد
ويتعين على صناع السياسات بدلا من ذلك أن يتبنوا نموذجا جديدا في التعامل مع قضية المناخ يركز على الحد من الانبعاثات التراكمية، وهذا يتطلب أولا وقبل كل شيء إدراك حقيقة مفادها أنه رغم تفوق تكنولوجيات الطاقة الجديدة في نهاية المطاف على الوقود الأحفوري -سواء من الناحية العملية أو الاقتصادية- فإن الطلب على الوقود الأحفوري لتلبية الاحتياجات المتزايدة من الطاقة سوف يدعم استخراجه واستخدامه لعقود مقبلة.

والأمر الأكثر أهمية أن هذا يسلط الضوء على الحاجة إلى سياسة المناخ التي تركز على نشر أنظمة احتجاز الكربون وتخزينه، والتي تستخدم عمليات صناعية عديدة لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث نتيجة استخدام الوقود الأحفوري ثم تخزينه في تكوينات جيولوجية تحت الأرض، حيث لا يمكن أن يتراكم في الغلاف الجوي، واستهلاك طن من الوقود الأحفوري ثم احتجاز وتخزين الانبعاثات يختلف تمام الاختلاف في نهاية المطاف عن تحويل أو تأخير استهلاكه.

ولكن من المؤسف أن الإطار السياسي المبني على هذا التفكير يظل بعيد المنال، فقد أطلق الاتحاد الأوروبي مؤخرا الإطار 2030 لسياسات المناخ والطاقة، والذي ينص على التركيز على السياسات المحلية الرامية إلى تعزيز الكفاءة ونشر الطاقة المتجددة، ورغم أن الإطار يذكر عملية احتجاز وتخزين الكربون فإننا لا نملك إلا أن ننتظر لنرى ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سوف يلتزم بنشر هذه العملية.

إن حشد الدعم والإرادة السياسية لفكرة احتجاز وتخزين الكربون -بدلا من البحث عن الأساليب المشتقة التي تسيء تفسير طبيعة المشكلة- سوف يكون التحدي الحقيقي لعام 2030 وما بعده.
_________________
ديفد هون كبير مستشاري تغير المناخ لدى رويال داتش شل

المصدر : بروجيكت سينديكيت