لن يكون من الصعب مستقبلا معرفة الجناة في مواقع الجرائم بمجرد العثور على عينة "دي أن أي" واحدة، وذلك بعدما تمكن العلماء من تطوير برنامج حاسوب بإمكانه رسم صورة ثلاثية الأبعاد للشخص من عينة "دي أن أي".

أدوات التجسيد ثلاثي الأبعاد للوجوه من عينة دي أن أي يمكن أن تثبت جدواها بالمستقبل المنظور (رويترز-أرشيف)

قد يصبح ترك شعرة في مسرح جريمة في أحد الأيام دليل إدانة تعادل ترك صورة شخصية لوجه المجرم، وذلك بعد أن تمكن باحثون من تطوير برنامج حاسوب بإمكانه صنع نموذج ثلاثي الأبعاد للوجه من عينة "دي أن أي" (الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين).

إن استخدام الجينات للتنبؤ بلون العينين أو الشعر أمر سهل نسبيا، لكن البنية المعقدة للوجه تجعل الأمر أكثر قيمة كأداة طب شرعي، وكذلك أكثر صعوبة لربطها بالاختلاف الجيني، حسب قول عالم الأنثروبولوجيا مارك شريفر من جامعة بنسلفانيا ستيت للأبحاث قائد فريق البحث الذي نشرت نتائجه قبل أيام.

لقد أخذ شريفر وزملاؤه صورا عالية الجودة لوجوه 592 شخصا من أصول مختلطة أوروبية وأفريقية ممن يعيشون في الولايات المتحدة والبرازيل والرأس الأخضر.

واستعملوا تلك الصور لصنع نماذج ثلاثية الأبعاد، وصنعوا شبكة من أكثر من سبعة آلاف نقطة بيانات على سطح كل وجه رقمي وحددوا النقاط المعينة في الوجه والتي تختلف عن المتوسط: إذا كان الأنف مفلطحا -على سبيل المثال- أو كانت عظام الخد أعرض، وكان لديهم متطوعون يقيِّمون الوجوه على مقياس الذكورة والأنوثة وكذلك على مقياس العرق الذي يمكن ملاحظته.

بعد ذلك قارن الباحثون جينات المتطوعين لتحديد نقاط، حيث يختلف فيها الـ"دي أن أي" وفقا لقاعدة مفردة تدعى "تعدد أشكال النيوكليوتيدات المفردة" (أس أن بي)، ولتضييق نطاق البحث ركزوا على الجينات المرتبطة بتطوير الوجه، مثل تلك التي تشكل الرأس خلال مراحل الجنين المبكرة، وتلك التي تتحول إلى اختلالات مرتبطة بخصائص مثل انشقاق الحنك، ثم مع الأخذ بالاعتبار جنس الشخص وسلالته حسبوا الإحصاءات المحتملة التي تتعلق بـ"أس أن بي" معين لتحديد خصائص وجه محددة.

هذا الأمر أدى إلى تحديد 24 "أس أن بي" في عشرين جينا ترتبط بشكل رئيسي بشكل الوجه، وهنا يأتي دور برنامج الحاسوب الذي طوره الفريق، حيث يستطيع باستخدام تلك البيانات تحويل تسلسل "دي أن أي" من شخص مجهول إلى نموذج لوجه ثلاثي الأبعاد.

ويقول شريفر إن الفريق يحاول الآن دمج أشخاص وجينات أكثر، كما يبحثون عن قسمات إضافية، مثل نسيج الشعر واختلافات جنسية محددة.

على الرغم من أن أدوات التجسيد ثلاثي الأبعاد هذه يمكن أن تثبت جدواها في المستقبل مع تطور التنبؤ الوراثي فإن التحليل الجيني في الوقت الحالي  بالورقتين لا يزال
ذا قيمة محدودة

تجارب أخرى
من ناحية أخرى، يرى عالم الأحياء في معهد شنغهاي للعلوم البيولوجية في الصين كونغ تانغ أن عملية إعادة بناء الوجه أكثر صعوبة مما هو متوقع،
تصبُّغ الجلد على سبيل المثال، مضيفا أن الشيء الذي تم التأكد منه هو أنه "لا يوجد جين واحد مسؤول عن جعل أنفك فجأة أكبر أو أصغر"، مشيرا إلى أن المهمة تزداد تعقيدا بسبب العوامل البيئية مثل التعرض لظروف مناخية معينة من المفترض أنها تؤثر في بنية الوجه.

وبحث تانغ وفريقه في تجربة مماثلة عن الجينات المرتبطة بخصائص الوجه الفردية باستخدام صور أكثر دقة بكثير أمكنها إنتاج ثلاثين ألف نقطة بيانات لكل وجه.

ففي ورقة بحثية نشرت في ديسمبر/كانون الأول 2013 قال تانغ وفريقه إنهم أخذوا صورا ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لـ1001 من صينيي الهان، وحاولوا ربط تلك الوجوه بجيناتها.

ووجد الباحثون خمسة "أس أن بي" تختلف عن تلك التي حددها فريق شريفر، فتتربط بشكل رئيسي بالعديد من خصائص الوجه، فعلى سبيل المثال أحد الجينات المعروف بتسببه بخلل الحنك المشقوق يتيح التنبؤ بشدة بشكل الشفتين لدى نساء الهان الصينيات.

ويقول تانغ إن فريقه الآن في إطار إضافة آلاف الأشخاص الآخرين من عرقيات مختلفة من أنحاء الصين لمعرفة إن كانت هناك اختلافات في بنية الوجه تبعا للإقليم.

من جهته، يرى عالم بيولوجيا جزيئيات الطب الشرعي مانفريد كايسر من جامعة إراسموس ميديكال سنتر في مدينة روتردام الهولندية أنه على الرغم من أن أدوات التجسيد ثلاثي الأبعاد هذه يمكن أن تثبت جدواها في المستقبل مع تطور التنبؤ الوراثي فإن التحليل الجيني في الوقت الحالي بالورقتين البحثيتين لا يزال ذا قيمة محدودة.

وأشارت ورقة بحثية حديثة من مختبر كايسر إلى تحليل نحو عشرة آلاف متطوع هولندي، ورصد 189 "أس أن بي"، ورغم أن الطول يعتبر من الأمور التي يصعب التنبؤ بها فإن الدراسة أظهرت أن بالإمكان التنبؤ ما إذا كان الشخص طويلا على غير المعتاد بشيء من الدقة، ولكن ليس بدقة التنبؤ بلون العينين على سبيل المثال.

ويقول كايسر إن "هذا عدد كبير من (أس أن بي) لتفسير العدد غير الكبير من متغيرات الطول"، موضحا أن الوجوه أكثر تعقيدا بكثير، وصنع تجربة تبحث في كافة عناصر "أس أن بي" المحتملة سيكون تحديا تقنيا يتطلب عينات من "دي أن أي" عالي الجودة، وهو ترف نادرا ما يتوافر لمحققي الطب الشرعي.

المصدر : مواقع إلكترونية