هناك عشرات الآلاف من الأجسام القريبة من الأرض والتي يحتمل أن يصطدم أحدها بها في يوم ما، كما حصل عند سقوط نيزك على الأراضي الروسية عام 2013، ويتحدث الكاتب أشرف تادرس عن خطر تلك الأجسام، وعملية مراقبتها لتجنب مخاطرها.

النيزك الذي سقط على الأراضي الروسية كان له وهج يفوق ضوء الشمس (أسوشيتد برس-أرشيف)

*أ.د أشرف لطيف تادرس

في فجر الثلاثاء 18 فبراير/شباط 2014 مرت صخرة عملاقة بحجم ثلاثة ملاعب كرة قدم (قطرها 270 مترا) كانت على مسافة تقدر بتسع مرات تقريبا مثل المسافة الفاصلة بين الأرض والقمر، أي على بعد مليونين وستمائة ألف كيلومتر من الأرض، وهي أقرب مسافة لهذه الصخرة في مدارها حول الشمس بالنسبة للأرض.

تسمى هذه الصخرة 2000-EM 26، وكانت تنطلق بسرعة 43 ألف كلم في الساعة، وهي تعتبر ضمن الأجسام القريبة من الأرض -والتي تختصر بالحروف "NEO". ولكن مما أزعج عامة الناس في جميع أنحاء العالم هو ما سمعوه من وكالات الأنباء عن حجم التدمير الذي يمكن أن تسببه. فدائما ما يقدر العلماء حجم التدمير المحتمل حتى ولو لم يحدث، فلو -لا قدر الله- تم اصطدام مثل هذا الجسم بالأرض كان سينتج عنه قوة تدميرية تقدر بحوالي 2500 قنبلة هيروشيما.

هذا القلق دعا أعضاء موقع "سلوه" (Slooh) الإلكتروني إلى مراقبة هذا الحدث عن طريق كاميراتهم الفضائية وتليسكوباتهم الآلية من خلال موقعهم الإلكتروني، وأيضا من خلال تحميل التطبيق الخاص بالموقع على أجهزة الآيباد.

ومرّ الأمر بسلام دون حدوث شيء، ثم تكررت هذه الظاهرة في فجر يوم الخميس 20 فبراير/شباط 2014 من نفس الأسبوع حيث مرت صخرة شبيهة من هذه الصخور بحجم مبنى طوله 98 مترا أطلق عليها "BR57-2014" وكانت على مسافة تقدر بأربعة أضعاف المسافة الفاصلة بين الأرض والقمر، ومرّ الأمر بسلام دون حدوث شيء أيضا.

ففي الحقيقة هناك عشرات الآلاف من الأجسام القريبة من الأرض والتي شارك في رصدها التليسكوب الفلكي الشهير "PAN-STARRS-1" التابع لجامعة هاواي بتمويل من وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا).

أغلب هذه الأجسام من الكويكبات الصخرية والمذنبات ومخلفات النظام الشمسي، تتراوح أحجامها بين حجم الصخور العادية الموجودة على الأرض وصخور عملاقة بحجم بنايات وملاعب للكرة، والبعض الآخر بحجم أحياء ومدن!

يقول العلماء المتخصصون في هذا المجال إن حوالي 10% من هذه الأجرام (الكويكبات) والتي لها قطر أقل من كيلومتر يمكن أن تؤثر على الأرض في المستقبل، وإن نحو 15 ألفا منها يصل حجمها إلى حجم ملعب كرة القدم أي نحو مائة متر تقريبا، وأكثر من مليون جسم منها يصل حجمها إلى أقل من ثلاثين مترا.

وعلى أثر أهمية هذا الموضوع، طلبت ناسا من الكونغرس الأميركي عام 2005 السماح لها بالبحث والكشف عن الأجرام السماوية التي يصل قطرها إلى أكثر من مائة متر، حيث يمكن للتكنولوجيا الحديثة مواجهة خطر الاصطدام بالأرض إذا تم التنبؤ به قبل حدوثه بوقت كاف. ويعود تاريخ الرصد الدقيق للأجسام القريبة من الأرض إلى عام 1998 حين أطلقت وكالة ناسا برنامجاً خاصاً لرصد مسار الأجسام التي تقترب من الأرض.

معظم الأجسام السماوية الساقطة على الأرض تهوي في أماكن غير مأهولة (الأوروبية-أرشيف)

ويرجع اهتمام العلماء بهذه الكويكبات لأنها متقلبة المسار والسرعة، الأمر الذي يجعل رصدها وتتبعها أمرا صعبا، وهذا بدوره يشكل خطراً كبيراً على الأرض. وتغير مسار هذه الأجسام الصغيرة يأتي من أنها تتأثر بعامل جاذبية الكواكب القريبة منها حيث إن سخونة جزء منها أثناء تعرضه للشمس يتسبب في تغيير مساره وسرعته، وفي هذا الشأن تلعب جاذبية كوكب المشتري (أكبر كواكب المجموعة الشمسية) دوراً كبيرا بالنسبة للأرض، فبفضل كتلته الضخمة يعمل كمصيدة لهذه الكويكبات والنيازك ونفايات النظام الشمسي ويجنب الأرض أخطارا كثيرة، لكن من ناحية أخرى فإن كوكب المشتري العملاق يدفع ببعض هذه الكتل الصخرية للخروج من حزام الكويكبات الواقع بين مداره ومدار كوكب المريخ مما يجعلها عرضة للسقوط على الأرض في الوقت نفسه.

أما الخطورة الحقيقية فتكمن في الأجسام التي يتعدى قطرها 150 مترا وتمر بقرب الأرض على مسافة أقل من ثمانية ملايين كيلومتر، علما بأن قطر الأرض نحو 13 ألف كلم، وبالمقارنة نجد أن قطر نيزك إقليم جبل الأورال الذي سقط على الأراضي الروسية عام 2013 لا يتعدى قطره 15مترا، وكان يزن أكثر من 11 طنا وينطلق بسرعة عشرين كيلومترا في الثانية (أي أسرع من الرصاصة) مما أحدث ضوءا باهرا فاق ضوء الشمس، وأصدر زئيرا قويا حتى اصطدم بالأرض وتسبب بجرح أكثر من ألف شخص نتيجة الزجاج المكسور والمتطاير بفعل دوي صوت الانفجار الذي سمع في ست مدن حول هذا الإقليم، وأخيرا سقط جزء منه في بحيرة مجاورة، وبعد شهر تقريبا من البحث والتنقيب تم انتشال هذا الجزء من قاع البحيرة وتبين أن وزنه أكثر من 650 كيلوغراما، وكان مدفونا على عمق عشرين مترا تحت طبقة سميكة من الطين، والآن تم وضعه في متحف الإقليم الذي سقط فيه.

وبأي حال فإن من نعم الله علينا أنه جعل أكثر من ثلثي الكرة الأرضية من الماء، فالماء عليها أكثر من 71%، كما يوجد باليابسة مساحات شاسعة من الصحاري والغابات غير المأهولة بالسكان، وعلى هذا فإن معظم الأجسام الساقطة علينا من الفضاء تقع إما في الماء أو في تلك المناطق غير المأهولة. شكرا لله.

_________________
* رئيس قسم الفلك، وزارة البحث العلمي، المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في جمهورية مصر العربية.

المصدر : منظمة المجتمع العلمي العربي