في مقاله الجديد يجادل الدكتور محمد قاسم في اللحظة الراهنة، ويرى أن كل ما نراه حولنا هو جزء من الماضي، وضرب مثلا بالنجوم التي وصلنا ضوؤها بعد ملايين السنين منذ انطلاقه منها, وحتى ما نلمسه بأيدينا تدركه أدمغتنا بعد قليل.

النجوم في الصورة لا تعبر عن اللحظة الراهنة لها وإنما ما كانت عليه قبل ملايين السنين (أسوشيتد برس-أرشيف)

*د. محمد قاسم

جلست أنت وأصدقاؤك في وسط الصحراء، وجهزت كاميرا لالتقاط صورة لهم بخلفية مجرة درب التبانة، لقد ملأت نجومها السماء، وظهرت جلية لعدسات الكاميرا المكلفة، أطفأت النار التي أحاط بها الأصدقاء، وبقي الفحم محمرا بضوئه الخافت. ضغطة واحدة، فالتقط مستشعر الكاميرا الأضواء الصادرة من النجوم والمنعكسة من الأجسام، وخُزنت صورة لكل ذلك في ذاكرة الكاميرا، وسُجل عليها تاريخ ووقت التقاطها في الزاوية السفلية من جهة اليمين، لقد كان اليوم هو 14/3/2014 الساعة 11:15:20 ليلا، إنها صورة جميلة ستخلد اللحظة التي استمتعت بها مع الأصدقاء.

هل ما سجلته الكاميرا من تأريخ على الصورة هو صحيح؟ هل الصورة تحتوي على اللحظة الراهنة التي قضيتها مع أصدقائك؟ ربما سيؤسفك أن تعلم أن كل محتويات الصورة لم تكن إلا مقتطفات من تاريخ الكون، وأنها لا تحتوي على لحظة راهنة واحدة، بل إن كل ما فيها إنما هي معلومات كلها لأزمنة مختلفة من الماضي.

نستطيع أن نحلل تفاصيل الصورة لنرى كيف أنها سجلت الماضي بدلا من الحاضر، لنفترض أن الصورة احتوت على نقاط مضيئة مختلفة في السماء، واحدة من تلك النقاط ربما ستكون لمجرة "آندروميدا"، ستبدو وكأنها نقطة واحدة وإن كانت تحتوي على ضعفي عدد النجوم في درب التبانة على أقل تقدير، في اللحظة التي التقط مستشعر الكاميرا ضوء تلك المجرة فإنه التقط ضوء استغرق 2.5 مليون سنة منذ أن انطلق إلى أن وصل إليه. أي لو أن شخصا كان يعيش على كوكب في مجموعة نجمية في تلك المجرة، والتقطته العدسات (طبعا يستحيل هذه الشيء باستخدام حتى أقوى المراصد البصرية اليوم)، فإن ذلك الشخص عاش حياته كلها وتوفي قبل 2.5 مليون سنة.

لنفترض أيضا أن الصورة تحتوي على نجوم متعددة في درب التبانة، حتى تلك، فإن كل واحدة منها التقطتها الكاميرا بأزمنة مختلفة، فبعضها متوهج في أطراف المجرة، وبعضها قريب، انطلق الضوء من بعضها قبل عشرات الآلاف من السنين، ومن بعضها قبل سنوات قليلة، فأقرب نجمة إلى الأرض من بعد الشمس هي "بروكسيما سنتوري"، وهي تبعد عنا بحوالي 4.2 سنوات ضوئية، فصورة هذه النجمة إنما تدل على ما كانت عليه قبل أكثر من أربع سنوات، ولن نعلم ما هي عليه في اللحظة التي التقطت الكاميرا فيها تلك الصورة إلا بعد أربع سنوات في المستقبل.

** والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة وتبلغ تقريبا نحو 9.46 تريليونات كيلومترا، وذلك اعتمادا على أن سرعة الضوء تعادل نحو 300 ألف كيلومتر/الثانية.

كذلك لو أن الصورة احتوت على القمر، فإن ضوءه استغرق ثانية وثلث الثانية للوصول إلى مستشعر الكاميرا، بل حتى أصدقاؤك الذين التقطتهم الكاميرا وهم متكاتفين مع بعضهم، فإن انعكاس الضوء الخافت المنعكس من على أجسادهم لم يصل إلى الصورة إلا بعد أجزاء بسيطة من الثانية، قد لا نعبه بأجزاء الثانية البسيطة بين انتقال الضوء من الأصدقاء إلى الكاميرا، ولكنها وإن كانت صغيرة إلا أنها أتت من الماضي، بل حتى لو أنك نظرت إلى شاشة الكاميرا لترى الصورة فإن هناك فارقا زمنيا بسيطا بين ظهور الصورة على الشاشة والتقاط عينيك لها، وستبقى كل تلك المعلومات التي وصلت إليك لتعبّر عن ما حدث، وليس عن ما يحدث.

الإشارات العصبية تحتاج إلى جزء من الثانية لتصل إلى الدماغ ليدركها (دويتشه فيلله-أرشيف)

تساؤل
نتساءل أين تُصنع الأحداث الراهنة؟ قد نقول إنها تكون حولك مباشرة، فلو أن حدثا معينا وقع بالقرب من جسدك والتقطته عيناك أو الخلايا العصبية المستشعرة في جسدك فإن تلك هي اللحظة الراهنة، وإنها لم تحدث في الماضي، فقد حدثت الآن. فلو أن شرارة قفزت من الفحم لتسقط على يدك، وسحبت يدك ثم صرخت من شدة الألم، ذلك يعني أن التماسها مع جسدك حدث في هذه اللحظة، وشعورك بها حدث الآن ولم يكن في الماضي.

حتى ذلك غير صحيح، ففي اللحظة التي سقطت الشرارة على يدك فإن الخلايا العصبية المستشعرة التقطتها، ثم انتقلت الإشارات إلى الخلايا العصبية الحركية، ثم سحبت يدك لا شعوريا، وبعد ذلك انتقلت هذه الإشارات إلى مخك، لتعي بها وتصرخ بأعلى صوتك، فالخلايا العصبية نقلت الإشارات بمتوسط سرعة مائة متر في الثانية تقريبا. لم تصل إلى المخ إلا بعد مرور أجزاء من الثانية، فالشرارة سقطت على يدك في الماضي، ولم تستشعرها إلا بعد قليل.

فأين إذن هي اللحظة الراهنة، أين تحدث إن لم تكن بالمقربة منا؟ قد نقول إن اللحظة الراهنة هي تلك التي تحدث في المخ مباشرة، فالصور التي يتخيلها ذهنك هي التي تحدث الآن. أما سواها فقد حدثت في الماضي، ولكن حتى في هذه استطاع العلماء معرفة ما سيفكر أو يعي به الشخص قبل وعيه به شخصيا ولو بلحظات بسيطة جدا، فالإشارات الكهربائية في خلايا المخ تتحرك بين الخلايا لتكوّن الصورة الذهنية أو الفكرة تدريجيا، فيقوم الحاسوب بالتقاطها وتحليلها بسرعة أكبر من المخ، فيعرف ما يفكر به الشخص، فحتى ما نعيه إنما هو لإشارات مختلفة انطلقت من الماضي، لتُكوّن الصورة الذهنية لاحقا.

إذن، أين تحدث اللحظة الراهنة؟ لا شك أنها تحدث في المخ، وأن وعينا بها هو أقرب ما يكون إليها، ولكن تبقى الإجابة على السؤال غير واضحة المعالم، وأن كل ما نعرفه الآن قد حدث في الماضي، سواء أكان ذلك الماضي بعيدا أو قريبا جدا.
________________
* أستاذ مساعد في كلية الدراسات التكنولوجية-الكويت
** إضافة من المحرر

المصدر : الجزيرة