لولا مثابرة مهندس البرمجيات البريطاني تيم بيرنرز-لي عام 1989 على المضي بمشروعه الذي قوبل بالرفض أول الأمر لما كانت الشبكة العنكبوتية العالمية قد ولدت حتى الآن، لكن إصراره جعل منها واقعا متاحا للجميع ومجانا كما أراد لها أن تكون.

منظمة سيرن رفضت أول الأمر تقبل مقترح تيم الذي وضع به أسس إنشاء الويب (غيتي إيميجز-أرشيف)

رماح الدلقموني

تحتفل الشبكة العنكبوتية العالمية (WWW) بذكرى ميلادها الـ25 على يد خبير معلوماتية بريطاني مغمور يدعى تيم بيرنرز-لي، والتي نمت وتطورت لتصبح شبكة هائلة غيرت حياة الملايين حول العالم.

وقبل الحديث عن ميلاد ونشأة هذه الشبكة العنكبوتية (ويب) علينا أن نفرق بينها وبين الإنترنت، حيث إن الكثيرين يخلطون بين المصطلحين ويعتقدون أنهما للدلالة على شيء واحد، لكن الحقيقة أن الفرق بينهما كبير.

فالإنترنت هي مجموعة متصلة من شبكات الحاسوب التي تضم الحواسيب المرتبطة حول العالم، والتي تقوم بتبادل البيانات فيما بينها بواسطة تبديل الحزم باتباع بروتوكول الإنترنت الموحد (IP) وتشمل ضمن خدماتها "الشبكة العنكبوتية" أو ما يسمى "الويب".

أما الويب فهي نظام من مستندات النص الفائق المرتبطة ببعضها وتعمل فوق الإنترنت. ويستطيع المستخدم تصفّح هذه المستندات باستخدام متصفّح الويب، وكذلك التنقّل بين هذه الصفحات عبر وصلات النص الفائق. وتحتوي هذه المستندات على نص صِرْف، صور ووسائط متعددة.

ابتكر تيم بيرنرز-لي الشبكة العنكبوتية العالمية عام 1989 بعد نحو عشرين عاما على إنشاء أول اتصال عبر ما أصبح يعرف باسم "الإنترنت". (بداية الإنترنت كانت عام 1969 عندما أطلق الجيش الأميركي شبكة "أربانت" التي تعتبر مهد الإنترنت).

في ذلك الوقت كان "تيم" يعمل مهندس برمجيات في المنظمة الأوروبية للبحوث النووية "سيرن" وهي مختبر كبير لفيزياء الجسيمات يقع قرب مدينة جنيف في سويسرا.

وكان العديد من العلماء يشاركون في إجراء تجارب في "سيرن" لفترة من الزمن قبل أن يعودوا إلى مختبراتهم حول العالم، وكان هؤلاء يتشوقون لتبادل البيانات ونتائج تجاربهم فيما بينهم، لكن واجهتهم صعوبة في تحقيق ذلك. وقد تفهم تيم هذه الحاجة، وفهم الإمكانات غير المدركة لملايين الحواسيب المتصلة ببعضها عن طريق الإنترنت.

ونتيجة لذلك عمد تيم إلى توثيق تصوره في مقالة صدرت في 12 مارس/آذار 1989 والتي أصبحت تعتبر وثيقة ولادة ما بات يعرف اليوم بـ"الشبكة العنكبوتية العالمية". وفي أواخر ذلك العام قدم مقترحا لإدارته في "سيرن" حدد فيه التقنيات التي جعلت من الإنترنت اليوم متاحة فعليا ومفيدة للجميع.

وللمفارقة، فإن الإدارة لم توافق على الفور على المقترح المبدئي لتيم حيث بدت فكرته في حينه جريئة لدرجة ابتعادها عن أن تصبح واقعا يوما ما. لكن الأخير ثابر من أجل تحقيقها.

وفي الأساس، كانت الشبكة العنكبوتية كناية عن برمجيات للبحث بين المعلومات المتوافرة على هذه الشبكة، والطابع المميز لها كان إمكان النقر على روابط لفتح ملفات محفوظة على أجهزة حاسوب يمكن أن تكون موجودة في أي مكان.

ونجح تيم في النهاية بإقناع "سيرن" باعتماد النظام بعدما أثبت جدواه من خلال جمع الوثائق الموجودة في المختبر، ضمن دليل إلكتروني تمّ وضعه على الشبكة.

بيرنرز-لي خلال تسلمه درجة تقديرية من جامعة سانت أندروز الأسكتلندية (غيتي إيميجز-أرشيف)

نمو وتطور
في أكتوبر/تشرين الأول 1990 وضع تيم ثلاث تقنيات أساسية ظلت منذ ذلك الوقت أساس الويب التي نعرفها حتى الآن (والتي نراها في أجزاء من متصفح الإنترنت) وهذه التقنيات الثلاث هي:

- "لغة ترميز النص المتشعب" (HTML): وهي نسق النشر على شبكة الإنترنت ويتضمن القدرة على تنسيق الوثائق وربطها بوثائق أو مصادر أخرى.

- "معرف الموارد الموحد" (URL): الذي نعرفه باسم "عنوان" الإنترنت الذي يمنح كل مصدر على الشبكة عنوانا متفردا خاصا به.

- "بروتوكول النص المتشعب" (HTTP): التي تسمح بجلب المصادر المتصلة بهذا البروتوكول من كافة أنحاء الويب.

كما طوّر تيم أول محرر/متصفح لصفحة الويب (وورلد وايد ويب) وأول خادم ويب (httpd)، ومع نهاية عام 1990 صدرت أول صفحة ويب، وبحلول عام 1991 انضم أشخاص من خارج منظمة "سيرن" إلى مجتمع الويب.

وفي خطوة كانت مهمة لنمو الويب، أعلنت "سيرن" في أبريل/نيسان 1993 أن تقنية الشبكة العنكبوتية العالمية ستكون متاحة للجميع لاستخدامها على أساس مجاني. ومنذ ذلك الوقت غيرت الويب العالم، وأصبحت بلا منازع أقوى وسيلة اتصالات عرفها العالم.

ولأن "السير" تيم وغيره أدركوا أنه كي تبلغ الويب كامل إمكاناتها فإن على التقنية أن تصبح معيارا دوليا يتم تطبيقه بنفس الطريقة في أي مكان من العالم، لهذا فإنه عام 1994 أسس "رابطة الشبكة العنكبوتية العالمية" (W3C) كمكان يتم فيه الاتفاق على المواصفات والمعايير لضمان أن الشبكة تعمل لدى الجميع وأنها تتطور بطريقة مسؤولة.

وقد مكنت معايير تلك الرابطة من منح الشبكة العنكبوتية مجموعة متزايدة من القدرات مثل "Web 2.0 (الشخصية والديناميكية) ثم Web 3.0 (الويب الدلالية من البيانات المرتبطة) وخدمات الويب، والوصول باستخدام الصوت، وعبر الجوال، وسهولة استخدامها من قبل ذوي الإعاقات، وأولئك الذين يتكلمون لغات عديدة، وتضمنت الرسومات الغنية، والفيديو، وغير ذلك.

وقد أدى آل غور نائب الرئيس الأميركي السابق دورا مهما في دفع عجلة الويب من خلال قراره بإلزام الوزارات استخدام الشبكة العنكبوتية العالمية، وكان إطلاق الموقع الإلكتروني للبيت الأبيض عام 1994 بمثابة موافقة علنية على هذا النظام.

ورغم أن 25% من سكان العالم حاليا يستخدمون الويب، فإن هذه الشبكة غيرت الكيفية التي نعلم ونتعلم بها، ونبيع ونشتري بها، ونستقي بها المعلومات أو نوفرها لغيرنا، ونشارك ونتعاون، وكذلك الطريقة التي نعالج بها المشاكل ابتداء من كيفية وضع الطعام على موائدنا إلى علاج السرطان.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية